الكتاب الأول : سيدنا إبراهيم ( ع )

دين سيدنا إبراهيم ( ع
لقد اختلف الناس ودخلوا في جدال حول دين سيدنا إبراهيم ( ع) فاليهود يدعون أنهم وحدهم أصحابه والسائرون على دينه والملتزمون بطريقه. والنصارى مع قبولهم رأي اليهود، إلا أنهم يعتبرونه تابعا لسيدنا المسيح ( ع) الذي جاء بعده، ويختلفون في هذا مع اليهود.
وخلاصة القول أن اليهود يعتبرون سيدنا إبراهيم " يهوديا" والنصارى " مسيحيا". والقرآن يقول كلمته في من يدعون بدون علم:
( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(140) ( البقرة)
وفي آيات أخرى تسفيه لآراء اليهود والنصارى وجدالهم حول دين سيدنا إبراهيم:
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(65)هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(66) ( آل عمران)
إذن، فالقرآن هو الذي يقول لنا ويخبرنا عن القول الفصل الصحيح لأنه كتاب الله الوحيد الذي لم يدخله تزييف أو تحريف أو تبديل. وإذا ما أتبع الناس سبيلا أو حكما غير القرآن، فسوف يقعون في الأخطاء وينحرفون عن الصواب. والناس عادة لا يتورعون أو يتوانون عن إعطاء رأيهم أو التعبير عن أفكارهم عما ورد وبكثير من التوضيح والتفصيل بين آيات القرآن الكريم. أما المؤمنون فإنهم متمسكون بكلام الله وما ورد فيه، وما جاء في السنة النبوية فيما يخص موضوع سيدنا إبراهيم ( ع) مثل غيره من المواضيع الأخرى، ويعتبرون الدخول في مناقشات وجدال فيما يخص الأنبياء ( ع) من اختلافات لا طائل من ورائها لأنها ضرب من التخمين والدوران حول الشبهات، وهذا ما لا يرضى عنه الله. ومما لاشك فيه أننا نتعرف على الحقيقة المطلقة عن سيدنا إبراهيم ( ع) من آيات الذكر الحكيم التي هي دلائل رحمة للناس، وإرشاد المؤمنين إلى الحق المبين.
" مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(67) ( آل عمران)"
والقرآن يقرر بشكل قاطع ودون شك أو تردد أو احتمال حقيقة دين إبراهيم ( ع)، وهو ( الحنيفية) التي تعني " التسليم لأوامر الله وحده والتمسك بدينه المبين دون غيره، والإخلاص له دون قيد أو شرط". وتأتي صفة " الحنيفية" لأن سيدنا إبراهيم ( ع) قد وجد ربه واهتدى إليه آمن به دون شريك له.
في آية من القرآن يأمر الله نبيه محمد ( ص) باتباع دين أبيه إبراهيم:-
( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(123) ( النحل)
كما يريد الله من الناس أن يكونوا حنفاء لله وحده، لأن الوحدانية هي الفطرة الإنسانية المقبولة والملائمة للناس:-
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(30) ( الروم)
وترد " الحنيفية" كتعريف بدين إبراهيم ( ع)، وهي في حقيقتها تتطابق تماما مع الإسلام. وفي حقيقة الأمر، فإن جميع الأديان الحق هي الدعوة إلى معرفة الله والإيمان به وعبادته وإظهار الطاعة له وحده، ثم العمل لنيل رضاه وكسب نعيمه، هذا إذا لم يكن الانحراف قد دخله أو شابته الشوائب في أوقات وأزمنة لاحقة. هذا الدين الحنيف التزم به من بعد إبراهيم ( ع) أبناؤه وأحفاده ومن جاء من أصلابهم، وحاولوا الاحتفاظ به. وهنا نجلب الانتباه إلى قول يوسف ( ع) وهو في ظلمات السجون مع من معه، الذي يذكر أنه من صلب جده إبراهيم ( ع) ولا يزال على دينه:
( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى

" صورة لختم أسطواني مفخور من العصر التاسع أو الثامن قبل الميلاد، تظهر مراسيم عبادة " آلهة!" آشور. والآشوريون كانوا أقوى دول منطقة ما بين النهرين خلال الأعوام 1900- 612 قبل الميلاد. وكانت لهم عقائد وثنية منحرفة وآلهة عديدون أكبرهم – آشور-). |
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38) ( يوسف)
لقد احتفظ هؤلاء " الأحناف" بعقائدهم في التوحيد ونبذ الشرك بالله أينما كانوا وفي أي عصر عاشوا فيه، مقتربين كثيرا من عقيدة الإسلام. ومن المعروف أن الأنبياء جميعهم اشتركوا في تأدية الأمانة وإنجاز الواجب الأول والأهم لهم وهو نشر فكرة وعقيدة التوحيد ومحاربة الشرك والدعوة إلى نبذ الأخلاق الفاسدة، والتحلي بالفضائل والمكارم. وقد جاء تأكيد هذه الأسس والمبادئ في دعوة الرسول ( ص) إلى الابتعاد عن كل مظهر من مظاهر الشرك بالله في قوله ص: عن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله ( ص) أي الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله ندا وهو خلقك." (2)
وفي آية يذكر القرآن أن دين الإسلام دين يسر مثل دين سيدنا إبراهيم:
( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78) ( الحج)
وكما يفهم من الآية فإن لفظة " المسلمون" أطلقت على أتباع سيدنا إبراهيم ( ع) ومن هم على عقيدته في التوحيد ونبذ الشرك ومحاربته. وكما هو معروف في اللغة فإن كلمة " المسلمون، الإسلام" مشتقة من مصدر " السلام" أي الدخول إلى الأمان والتسليم لله وحده. وهذا صلب ما يبتغيه ويهدف إليه الدين الإسلامي وهو التسليم لله رب العالمين كليا والشعور بالأمان والسكينة والاطمئنان الإيماني. ولعل في سيرة الأنبياء الكرام خير قدوة ودليل لنا في تسليم أنفسنا وأمورنا جميعها لرب العالمين، هؤلاء الرسل الكرام الذين أسلموا لله تعالى واستعاذوا به والتجئوا إليه وطلبوا منه وحده العون والمدد، مظهرين محبتهم له وسخروا حياتهم في سبيله. وهذا ما يدل عليه وصفهم في القرآن جميعهم بـ " المسلمين". وكما ورد في الآية، مخاطبا سيدنا نوح ( ع):
( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(72) ( يونس)
وفي السورة نفسها خاطب قوم موسى:
( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ(74) ( يونس)
وأيضا قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان ( ع) لقوم سبأ:
( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31) ( النمل)
( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78) ( الحج)
وفي سورة المائدة جاء الوحي الإلهي إلى الحواريين:
( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111) ( المائدة)
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67) ( المائدة)
|
هذه الآيات جميعها تظهر مجمل أخلاق المؤمنين الصالحين من التسليم لله تعالى، والتمسك بآداب الدين والإخلاص له، وشر فهم الله بإطلاق اسم " المسلمون" عليهم.
ولنا في دعاء سيدنا يوسف ( ع) مثال جميل، الآية:
( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(10) ( يوسف)
وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تذكر فضائل سيدنا إبراهيم ( ع) وجميل خلقه وحسن تصرفاته وإيمانه العميق بربه وطاعته وقبول أوامره برحابة صدر واطمئنان. وهذه بعض منها:
( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ( البقرة)
( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) ( البقرة)
إن على كل مسلم مؤمن أن يتخذ من أخلاق سيدنا إبراهيم ( ع) وقوة إيمانه وتسليمه وتوكله على ربه،المثل الأعلى والقدوة الصالحة. وتأتي في مقدمة أخلاقه وشيمه العالية، الثبات والعزم والصبر والتمسك بالعقيدة – وأسلوبه ( ع) في تبليغ رسالته، ومجمل تصرفاته في هذا الشأن.
لقد أكدت الآيات التي أوردناها إلى حقيقة كون سيدنا إبراهيم ( ع) المثال والقدوة لجميع المؤمنين في كل زمان ومكان. مثله مثل بقية الأنبياء والمرسلين الذين آمنوا بالحنيفية واسلموا لله. وهذا يأخذنا إلى أساس ومصدر جميع الأديان التي تمتد إلى دين إبراهيم ( ع). غير إن الأديان مثل المسيحية واليهودية دخلتها العقائد الشاذة والآراء المنحرفة وزاغت عن مصدرها النقي بمرور الأزمان والأحداث، وابتعدت عما جاء في التنزيل الأول والوحي الإلهي الذي كان ولا يزال يستهدف نشر التوحيد والقضاء على الشرك بالله الذي يعتبر رأس السيئات كلها، والتوجه إلى الهدف والغاية العظمى من الحياة ألا وهي معرفة الله تعالى وإدخال محبته إلى القلوب والترابط معه والتقرب إليه.
إن الشعور بالحب والتعلق والانتساب إلى سيدنا إبراهيم ( ع) لدى اليهود والنصارى هو ما يوحدهم مع المسلمين في هذا الهدف المحدد. والأديان السماوية الثلاثة تشترك في الاعتقاد والإيمان بالله والعبودية له كما أراده سيدنا إبراهيم ( ع) من الناس أن يفعلوه تماما. لذا يمكننا اعتباره ودينه الحنيفية الأساس المشترك لنا نحن المسلمين مع أهل الكتاب. ( مع الأخذ بالاعتبار دائما ما قاموا به من تأويل وتفسير وتحريف في دين إبراهيم ( ع)). وفي آية يدعو القرآن المسلمين وأهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء المشتركة:
( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64) ( آل عمران)
" قيام سيدنا إبراهيم ( ع) بتبليغ دينه"

" كانت شعوب منطقة ما بين النهرين يعبدون الشمس أو القمر. وكان حاكم أكد الملك نارام-سين يعتقد بربوبية القمر وينتظر منه الدعم والإسناد له. وفي الصورة نارام-سين وهو يؤدي مراسيم عبادة دينه المنحرف، على نقش في مسلة حجرية تمثل ملحمة إحدى انتصاراته." |
لقد كلف كل نبي بمهمة الدعوة وتبليغ الرسالة وأوامر الله إلى الناس. فالأنبياء جميعهم أرسلوا لإرشاد الناس إلى معرفة الله وتوحيده ونشر المكارم والفضائل والعيش بموجب ما يأمر به الله ويطلبه من عباده. فقد أرسل نوح ( ع) إلى قومه،وصالح إلى قوم ثمود، وشعيب إلى قوم مدين، كما أرسل موسى وعيسى إلى بني إسرائيل. غير أن هؤلاء قلما وجدوا الاستجابة، وواجهوا الصد والمقاومة من قومهم، حيث ضيقوا عليهم وفتحوا معهم أبواب الصراع والصدام، واتهموهم وافتروا عليهم وكذبوهم وهددوهم ولجأوا إلى أساليب خبيثة معهم. حتى وصل بهم الحال إلى معاملة هؤلاء الأطهار الشرفاء المبعوثين من لدن الله بكل قسوة وعنف إما بطردهم ونفيهم أو التهديد بقتلهم. ويذكر القرآن في سورة الأنفال كيف رد الله كيد الكافرين وتآمرهم على سيدنا رسول الله ( ص):
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30) ( الأنفال)
وكما سبق وذكرنا في القسم الأول من هذا الكتاب كيف إن قوم إبراهيم ( ع) كانوا يعبدون أوثانا وأصناما صنعوها بأيديهم من الحجارة أو الخشب وظلوا لها ساجدين عابدين، ينتظرون منها العون والمدد، وتمسكوا بهذه العقيدة المنحرفة الفاسدة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. ولكن سيدنا إبراهيم ( ع) كان من الإيمان العميق بربه والتوكل التام عليه وحده مما أمكنه من الوقوف وحده أمام طغيانهم وعنادهم.
لقد كانت ( الأكثرية) في أمم وشعوب مختلفة، تعني السيطرة والتحكم. وهذه الظاهرة برزت على مر التاريخ. وقد كانت عقيدة وأفكار ( الأكثرية) هذه تجبر الجميع على الالتزام بها، باعتبارها الأساس السليم الصحيح. ولهذا فإن الوقوف أمام الأكثرية في المجتمعات الجاهلية أمر في غاية الصعوبة. ويبقى الكثير من الناس في هذه المجتمعات تحت تأثير وضغط الأكثرية رغم احتمال اختلافهم معهم فيما يحملونها من عقائد وأفكار صائبة وصحيحة، وينصاعون – رغما عنهم – لقبول عقائد وآراء الأكثرية المنحرفة. غير أن الأنبياء ومن اتبعوهم وآمنوا بهم من صالح المؤمنين ليسوا كهؤلاء. لقد واجهوا بعزم وقوة وثبات الأكثرية الجائرة ووقفوا أمامهم وأظهروا من المقاومة والكفاح وبذل الجهود وتحمل المشاق والمصاعب والشجاعة والإصرار على نشر أوامر الله نواهيه والتمسك بدينه بإخلاص وتفان. كل هذا بسبب إيمانهم بربهم والخشية منه وحده، والاعتماد عليه والاطمئنان إلى نصره لهم.
لقد واجه سيدنا إبراهيم ( ع) قومه المشركون لوحده.
وقد أثنى عليه الله تعالى في الآية : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120) ( النحل)"
حينما تحدى قومه وعلى رأسهم أباه أيضا. وكان ينصحه بترك عبادة الأوثان وأن الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة والعبودية له هو الله تعالى رب السماوات والأرض وخالق الأكوان، وليس هذه الأصنام التي كان ينحتها بيديه من أشياء جامدة كالحجر والخشب... وبهذه الطريقة السهلة والأسلوب اللطيف والدعوة الهادئة والصبر، قام سيدنا إبراهيم ( ع) بدعوة قومه كذلك لأتباع دينه وعبادة الله وحده وترك الوثنية والشرك والجهالة، وواجه العداء والبغضاء بالحب واللين وجادلهم بالتي هي أحسن معتمدا في كل ذلك على إيمانه العميق وتوكله الكامل على الله سبحانه. إلى جانب ما كان يمتاز بها من الشجاعة والقوة والثبات بفضل هذا الإيمان العميق. وهذه الآية تظهر الخصال الحميدة التي كان يتمتع بها :
( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) ( الأنعام)
تتجلى في أسلوب وطريقة الدعوة التي أتبعها سيدنا إبراهيم ( ع) مع قومه لمحات جميلة تدل على عمق الإيمان. فقد كان يخاطبهم بكلام في منتهى الحكمة والمنطق السليم، حبذا لو استفاد المسلمون منه في أيامهم هذه في تبليغ دعوة الإسلام ورسالته إلى أمتهم.
في الفصول القادمة سوف نبحث بشيء من التفصيل ذكر بعض هذه المواقف التي تجلت فيها الحكمة والرؤية والمنطق العقلاني في تبليغ الدعوة.
" دعوة سيدنا إبراهيم لأبيه"

( وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ( البقرة)
|
إن دعوة الناس لمعرفة الله وتوحيده وعبادته من أولى مهام وواجبات المسلمين. وهذه، بحد ذاتها تعتبر عبادة تسمى بالتعبير الديني بـ " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وأساس هذا العمل الصالح هو " الترهيب والتحذير" الذي يوضح لكافة الناس بأنهم مسؤولون ومحاسبون أمام الله الذي خلق كل شيء من العدم، وسوف يسألون يوم الحساب عما اقترفته أيديهم في حياتهم الدنيا، إلى جانب أمور أخرى من أوامر الله ونواهيه إليهم من الواجب تبليغها إليهم.
لا شك أن من يقوم بمهام تبليغ ودعوة الناس وتخويفهم وإنذارهم حسبما ورد في آيات القرآن، هم المسلمون المخلصون لدينهم والمتمسكون بقوة ثبات بإيمانهم، وتملأ الخشية من الله قلوبهم. والله سبحانه أعطى هؤلاء بصيرة ثاقبة تفرق بين الصالح والطالح، مع الحكمة والعقل السليم. إن أسلوب التبليغ والدعوة يجب أن يستند إلى التصرف بحكمة ومخاطبة العقول حسب إدراكها ومستويات نضوجها وفهمها، مع الأخذ بالاعتبار شخصية ومستوى المخاطب وحالته النفسية وأوضاعه العامة، واستعمال أسلوب لطيف وأقوال مناسبة وملائمة للمقام والمقال، واستدراك ردة الفعل من المقابل وإيجاد البدائل للتصرف. وهكذا يظهر أن الاهتمام الكبير الذي يجب أن يوجه إلى فرد واحد تقابله جهود مضنية ومهام ثقيلة سواء في توجيه الخطاب لهذا الفرد أو إلى المجموعات البشرية والكتل الكبيرة لا سيما إذا كان هؤلاء بعيدين عن إدراك معاني الدين، وتربوا ونشأوا على أولياء أمور " ما أنذر آباؤهم من قبل"، أو الذين انتشرت بينهم الخرافات والعقائد السقيمة والأخلاق المنحرفة والجاهلية الدينية. ولهذا نرى القرآن ينبه في الدعوة والتبليغ إلى اتباع أسلوب " الحكمة والموعظة الحسنة"
وجاء في الآية : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125) ( النحل)
إن جميع المسلمين مكلفون بدعوة الناس إلى معرفة الله بحق وصدق، وتوحيده بدون شريك، والتزام الأخلاق الفاضلة التي جاءت في القرآن الكريم. وقد عرف القرآن أيضا أساليب هذا التبليغ، وأن يكون أولا إلى الأهل والأقربين كبداية وهم أولى الناس بالدعوة إلى الإيمان والاعتقاد بالله تعالى وبالحشر والحساب في اليوم الآخر، وكما ورد في الآية:
( فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214) ( الشعراء)
وخير مثال لهذا التصرف ما قام به سيدنا إبراهيم ( ع) من دعوة أبيه أولا، فقد حاول إفهامه أن العبودية يجب أن تكون لله وحده وليس للأوثان الصماء التي عملتها أيدي الناس، واتبع أسلوبا حكيما وطريقة جميلة. ويذكر لنا القرآن دعوته لأبيه" آزر" في الآيات :
( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43) ( مريم)
وندرك في أسلوب تبليغ سيدنا إبراهيم ( ع) لأبيه دروسا مهمة. منها أن الشخص المراد مخاطبته ودعوته إلى الإيمان يجب أن يعامل بكل لين ولطف، واتباع أسلوب سهل وواضح معه، ثم الصبر على ردود أفعاله مهما كان ذلك الإنسان يتمتع بالقوة أو لسلطة أو الغرور.

( أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا(89) ( طه)
التعليق تحت صورة الأصنام
( إلى اليسار، صنم يرجع إلى 2500-1100 ق.ب. وإلى اليمين، أحد الأوثان التي كان الآشوريون يعبدونها ويعتقدون أنها تجلب لهم الحظ والرفاه وتقيهم من المصائب. والصنم المسمى " حدد" كان من الأصنام التي يتخذها الملك ( أسرحدون)- القرن السابع ق.م) حاميا له وراعيا لملكه.)
|
يلاحظ التشابه الكبير بين أسلوب دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) وما قام به سيدنا موسى ( ع) من دعوة فرعون إلى الإيمان. وقد خاطب الله تعالى موسى ( ع) بـ " فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44) ( طه) . وهذا ما قام به فعلا إذ وجه خطابه بكل رفق ولطف.
ذكر لنا القرآن حادثة دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) لأبيه وما دار بينهما من حوار في الآيات:
( يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا(46)قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48) ( مريم)
في هذه الآيات وما دار بين سيدنا إبراهيم ( ع) وأبيه، حكم عديدة، تظهر أولا مدى حكمته وشدة ترابطه مع الله وتوكله عليه. فقد دعا أبيه إلى عبادة الله وحده، رغم وجود خطورة التعرض إلى الموت، وفقده حب والده وأهله وكافة الامتيازات والمنافع التي يتوقعها منه. كما واجه التهديد بطرده وإبعاده بكل جلد وصبر وتوكل. فقد كان واثقا من أن ربه سيرشده إلى الطريق القويم، ويعينه ويرشده إلى الصواب دائما. وهذا ما كان يبعث في نفسه الهدوء والصبر والاطمئنان. ولنا خير الأمثلة وأحسنها من تصرفاته ولجوئه إلى ربه أمام الجور والظلم الذي أصابه من حرمانه من حقوقه، وانصياعه إلى أوامر ربه والدعاء والتضرع إليه وثقته من استجابة ربه له، وفي حسن التوكل وإظهار الثبات والإخلاص الكامل لربه. إضافة إلى ما أظهره تجاه أبيه من ردود أفعال غير متشنجة أو متوترة، وإنما تلقى كل ما لقيه منه وأصابه بصدر رحب وصبر وتحمل. وظل يخاطبه بكلمة " أبي" رغم كل ما حصل منه تجاهه.
لقد توجه إلى أبيه بكل احترام وحسن نية وخاطبه بأسلوب لين كله شفقة ورحمة داعيا إياه إلى الإيمان. ولكنه عندما شاهد صد والده وإصراره على الكفر، فارقه ملتجئا إلى ربه. وفي مثل هذا التصرف بيان واضح لكل المؤمنين أن الغاية هي نيل رضا الله وكسب محبته، تنفيذا للقاعدة الدينية التي تقول " الحب في الله والبغض في الله" في التعامل مع الناس. ويوضح القرآن هذا المطلب الإلهي من المؤمنين في قوله:
( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(113)وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) ( التوبة)
يلاحظ في العلاقة بين سيدنا إبراهيم ( ع) وأبيه آزر شدة تمسك أبيه بعقيدة الشرك وإصراره عليها حتى وصل به الحال إلى قيامه بتهديد ابنه بالموت، رغم أنه أنشأه ورباه لسنين عديدة باعتباره قطعة من لحمه ودمه، ورغم ما كان يقابله سيدنا إبراهيم ( ع) من احترام وتقدير. هذه المعاملة القاسية من أبيه كانت بسبب قيامه بإنكار آلهته وتسفيه دينه ودعوته له إلى نبذ الشرك، والإيمان بالله الواحد الأحد. وهنا تظهر صفات الظلم والقسوة والترهيب التي وصلت إلى درجة تهديده بالرجم. وهي من صفات الكفار وشيم المشركين والمنكرين في كل زمان ومكان.

( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ( الحج) |
* سيدنا إبراهيم ( ع) ينصح أحد المشركين
ورد في القرآن ذكرا لما واجهه سيدنا إبراهيم ( ع) من وقائع وأحداث في أثناء قيامه بواجب الدعوة إلى الإيمان وتبليغ الرسالة الإلهية. ومن ضمن هؤلاء الحكام والطغاة والجبابرة. وتورد المصادر التاريخية أحد هؤلاء المنكرين والمسمى بـ " نمرود" الذي دخل معه سيدنا إبراهيم ( ع) في نقاش وجدال:
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ( البقرة )
هذا الإنسان الذي طغى وتجبر معتمدا على وفرة ماله وقوة سلطانه، وصل به الأمر عند مناقشته مع سيدنا إبراهيم ( ع) أن ادعى قدرته على الخلق ومنح الحياة، مفتريا على الله سبحانه " معاذ الله". إن أمواله الطائلة وسلطانه وقدرته المستندة إلى ملكه دفعته إلى الغرور والتصرف بالعنجهية وأوصلته إلى إدعاء الالوهية والكفر برب العالمين. ناسيا قدرة الله على جميع ما في الكون من مخلوقات.
" نمرود" هذا الإنسان الجاحد والمنكر لله تعالى دخل في نقاش وحوار مع بني الله إبراهيم ( ع) حينما دعاه إلى الإيمان بالله وحده وعبادته وخضوعه له، مدعيا قدرته على منح الحياة، وحينذاك كان رد سيدنا إبراهيم ( ع) وجوابه المفحم المستند إلى قوة المنطق والحكمة:
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ( البقرة)

( وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(12) ( النحل) |
إن الأنبياء الكرام كثيرا ما واجهوا مثل هذه المواقف بمثل هذه القوة والبصيرة والمنطق السليم. وكان لعمق إيمانهم بالله أثره في إيصال أقوالهم إلى القلوب، وتزييف مواقف خصومهم من أهل الأفكار والعقائد المنحرفة. أن الأفكار الضالة والآراء الفاسدة لأهل الكفر لا يمكنها أن تقف أو تصمد أمام وضوح الحق وقوته. لأن عقائدهم الباطلة تلك، تبقى عاجزة أمام دعوة المؤمنين للإيمان بالخالق المبدع، وإن استندت إلى ما لهم من قوة المال والجاه والسلطان والحكم. لهذا فهم الخاسرون دوما، ويعبر القرآن عن موقفهم هذا ووضعهم البائس بقوله عنهم " فبهت الذي كفر..." ولن يجدوا إلى الجواب سبيلا ولا إلى الخروج من مأزقهم وسيلة.
ومما يلفت الانتباه في جواب سيدنا إبراهيم ( ع)، البساطة والوضوح والسلاسة الطبيعية الصادرة من دواخل النفس والقلب. فمثل هذا الأسلوب يكون تأثيره على قلوب وأذهان وأرواح المخاطبين مباشرا وقويا دائما. ذلك لأن وجود الخالق المبدع واضح لا لبس فيه مما يكسب منطق المؤمن وحجته القوة والتأثير المباشر. ورغم هذا المنطق القوي يبقى بعض الناس عبيدا للشيطان ويظلون في عنادهم وكبريائهم. إن هؤلاء الذين هم على بعد من الدين، يعتبرون ما هم عليه من مال وجمال أو سلطان من صنع أيديهم، وهذا ما يدفعهم إلى الغرور والبقاء تحت سيطرة أهواء النفس، ويعطون لأنفسهم ما لا يستحقونها من حقوق، ناسين عظمة الله تعالى. ويدفعهم الشيطان إلى الغرور أكثر فأكثر مظهرا لهم زينة أموالهم وزخرف سلطانهم، مانعا إياهم من قبول العبودية والخضوع لله تعالى.
يواجه المؤمن في أثناء قيامه بالدعوة والتبليغ، الكثير من الناس، والعديد من هؤلاء لا يدركون عظمة الله لشعور الكبر في داخل أنفسهم. وعند هذا الموقف يتبادر إلى الأذهان اللجوء إلى الأسلوب الذي اتبعه سيدنا إبراهيم ( ع) في إظهار عجزهم، وبالمقابل إظهار قدرة الله وعظمته وسعة ملكه. وهكذا يدرك الكافر أن لا قيمة لأمواله أو سلطانه اللا متناهي. كما وينتبه إلى محدودية قدرته وإرادته، وأن كل شيء ينتهي بموته ويتلاشى سلطانه. وحينذاك يدرك بإحساسه ووجدانه أن الله تعالى هو الحق المطلق وصاحب القوة والقدرة وحده.

( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185) ( آل عمران)
|
ويظهر الأسلوب الذي اتبعه سيدنا إبراهيم ( ع) في أثناء نقاشه مع الطاغية الكافر، مدى أهمية الاستناد إلى الأمور العقلانية والتصرف الهادئ والرزين والمنطق الحكيم. على المؤمن المسلم عدم الدخول في مناقشات وجدال عقيم لا يأتي بنتيجة وليس من ورائه طائل، بل على العكس، عليه الوقوف أولا على الحالة الذهنية والنفسية للمخاطب وتحليل منطقه وأسلوبه في سبيل إزالة غشاوة الأفكار الباطلة من ذهنه، وتقديم أدلة منطقية ومؤثرة عقليا تدعم موقفه وتؤدي إلى حصول قناعة بوجوب واجب الوجود تعالى. إن من يستطيع أن يقوم بهذا الواجب وبهذا الأسلوب الحكيم لا بد له من أن يتمتع بإيمان عميق وعلم ومعرفة واسعة بالقرآن وأحكامه، ويكون على درجة كبيرة من التقوى والخشية من الله تعالى، ذلك لأن الحكمة نعمة وفضل من الله تعالى، ومن يرد إدراكه عليه أن يطلبه من الله تعالى بالدعاء والتضرع لكي يهبه من فضله.
في الآية 0 يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ(269) ( البقرة)، يكشف القرآن لنا سرا من أسراره ويخبرنا عن سبب من أسباب بلوغ النجاح.
* قيام سيدنا إبراهيم ( ع) بتبليغ الدعوة إلى قومه
كيف يجب أن يقوم المؤمن بتبليغ ودعوة من انغمس في الكفر و سدر في الغفلة؟ وكيف يستطيع إدخاله إلى حظيرة الإيمان؟. يشير القرآن إلى وجوب التزام وسائل صحيحة وأساليب حكيمة مخطط لها مسبقا. لا يوجد هناك أسلوب واحد محدد. وإنما يختلف بحسب ظروف الشخص المقابل ومستواه وثقافته وما يحمله من آراء وأفكار وما هو عليه من أوضاع. ويضرب لنا القرآن أمثلة. منها أسلوب دعوة سيدنا نوح ( ع)، فتارة " دعوتهم جهارا"، وأحيانا " أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا" وبذلك اتخذ وسائل مختلفة وأساليب عدة في دعوة الناس( ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9) ( نوح).

( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ(92) ( المائدة). |
في دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) أمثلة أخرى. ولكن أكثرها تأثيرا إيقاظ ضمائر وأحاسيس الناس ومخاطبة أفكارهم وتحريكها باتجاه الإيمان بالله. وقد وجه إليهم أسئلة دفعتهم إلى التفكير وتحريك الأذهان، ثم إدراك ما هم عليه من انحراف وضلال. وقد أظهر لهم مدى تفاهة ما يعبدونه مما صنعتها أيديهم من حجارة أو خشب، وبذلك قوض عقائدهم الوثنية التي توارثوها عبر أجيال من قبلهم، وفتح بصائرهم على الإيمان بالواحد الأحد. ويذكر القرآن جانبا من تبليغ الدعوة:
( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(79) ( الأنعام)
إن ما ورد من وصف وذكر للنجوم والشمس والقمر ليس من معتقدات سيدنا إبراهيم ( ع). وإنما يظهر لنا وكأنه أسلوب في كيفية مخاطبة قومه والتوجه إليهم ( والله أعلم ...)، لأنه كان على علم ودراية في أمور ظهور النجوم والقمر ليلا في السماء واختفائها عند بزوغ الشمس نهارا، ثم زوال الشمس بدورها عند المغيب. ولكنه قام بإتباع هذا الأسلوب من الإفهام غير المباشر لأن قومه كانوا في لجة من الشرك وظلمة الأفكار، ومحرومون من تحكيم العقل والمنطق.
وكما سبق وأكدنا عليه في الجزء الأول من هذا الكتاب فقد كانت الأقوام الوثنية التي تعبد ما تصنعه من أصنام، تعتقد وتؤمن بقدسية الأجرام السماوية من النجوم والشمس والقمر، وتؤلئها وتعبدها من دون الله. وهذا ما دفع سيدنا إبراهيم ( ع) إلى أن يخاطبهم بما يؤدي إلى تسفيه أفكارهم وتقويض عقائدهم من الأساس، وبذلك تزول القدسية والمهابة التي اكتسبتها هذه الأجرام السماوية. فلجأ إلى أسلوب طرح الأسئلة وثم الإجابة عليها وصولا إلى إفهام المشركين أن الموجد والخالق الحقيقي هو الله.
وفي قوله " إني لا أحب الآفلين ..." خطاب مهم موجه إلى قومه. وهكذا وصل إلى هدف تلقينهم بأن من يحمل صفة " الإله" لا يفنى ولا يختفي أو يموت. وكما هو معلوم فإن صفة ( البقاء) و( القيام) هما من أوصاف الله تعالى.
ثم التفت إلى القمر الذي كان يبدو في الليالي بحجم أكبر من النجوم، وأثبت لهم عدم إمكانية اعتباره إلها لأفوله واختفائه، مستندا إلى أدلة عقلية ومنطقية. واتخذ نفس الأسلوب مع أكبر الموجودات المادية الظاهرة للإنسان ألا وهي الشمس، وسفه أحلامهم بشأنها أيضا. وأنزل بذلك ضربة قاضية بالفكر الوثني المستند إلى تعدد الآلهة والشرك في العبادة.
ثم قالها أخيرا.... " وما أنا من المشركين..."، موجها وجهه إلى خالق كل شيء، مؤمنا برب الخلائق كلها ومعلنا صراحة وعلى مشهد من الملأ إيمانه بالله الواحد الأحد. ومن تسلسل الأحداث تظهر لنا حقيقة سيدنا إبراهيم ( ع) أنه كان واقفا وعالما بالفكر الوثني. وهكذا لجأ في حواره وتبليغه برسالته التوحيدية إلى ضرب الأمثال والإتيان بمقارنات منطقية وآراء عقلية أثبت بموجبها فساد وبطلان منطقهم وأظهر الانحراف والاعوجاج في عقائدهم. وتبين لنا الآيات مدى القلق والهياج الحاصل لدى قومه، ودخولهم في معارك جدلية ونقاش مستمر معه. ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ(80) ( الأنعام) كان سيدنا إبراهيم ( ع) موجها بإلهام من ربه حينما كان يناقش قومه ويبلغهم رسالته. وهذه الحقيقة تدرك من الأسلوب الذي اتبعه والأمثلة والمحاكمات المنطقية التي أوردها واعتمدها في خطابه إليهم.
يقول تعالى في هذا ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83) ( الأنعام)
ومن هذه الآية يتبين لنا أن ربه ألهمه ما كان يقوله أو يعتمده من وسائل.
هذه الأساليب التي لجأ إليها سيدنا إبراهيم ( ع) تعتبر أمثلة ونماذج أمام المسلمين أيضا للأخذ منها والإقتداء بها. إذ على المؤمنين أيضا أن يفندوا أفكار الملحدين وأدلتهم الفاسدة واحدا بعد الآخر. ويتخذوا من الوسائل والأدلة العلمية والمنطقية سبيلا لهم. ثم يبدءوا بدعوتهم إلى الإيمان بالله وقبول عبوديتهم له وحده. فإذا لم يستطيعوا أن يقوضوا الآراء المنحرفة أولا، فسوف يجدون من الصعوبة إقناع المخاطب بقبول الإيمان بشكل صحيح وصريح وقبولهم بالإسلام دينا ومنهاجا. فتحطيم الأوثان بجميع أشكالها وتفنيد الآراء والفلسفات المنحرفة لدى المشركين والتخلي عن جملة من الاعتبارات المادية الصرفة، شرط مسبق لتقبل الإيمان الصحيح.
ويظهر جليا من قراءة حياة سيدنا إبراهيم ( ع) وبالخاصة ما قام به من الدعوة وتبليغ رسالة السماء، إيمانه العميق بربه ومحبته الصادقة وتنفيذه المطلق لأوامره وبكل دقة وحساسية متناهية. وفي كيفية أداء رسالته وإيصالها إلى أبيه وإلى قومه، تظهر حقيقة كونه إنسانا مختارا من ربه ومتميزا عن سواه ومفضلا عنده. والآيات تكشف لنا ذلك:-

( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ(24) ( النمل) |
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69)إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ(70)قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(71)قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ(76) ( الشعراء )
لقد لجأ سيدنا إبراهيم ( ع) – وكما يظهر من الآيات – إلى ضرب الأمثال والاستشهاد بها واعتماد وسائل معينة لإثبات بطلان فكرة الوثنية وعبادة الأصنام واتخاذها آلهة.
( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123) (هود)
* التعليق تحت صورة حمورابي:-
( في هذا النصب الحجري، يشاهد حمورابي وهو يقدم طاعته وعبوديته بموجب عقيدته الوثنية المنحرفة إلى إله الشمس في الديانة البابلية والمسمى " شمش" ).
غير إن الجواب الوحيد لقومه تجاه كل هذا المنطق والمحاكمة العقلانية كان ترداد " هكذا وجدنا آباءنا ". وكما سبق وذكرنا هذا القول وهذا المنطق كثيرا ما استخدم من قبل الأقوام والمجتمعات القديمة في العصور الجاهلية. وهي عبارة مألوفة ومطروقة كثيرا في محاولة لإعطاء الشرعية لمعتقداتهم الخاطئة. غير أنه لا مكان لمثل هذه الآراء ة والاعتبارات في الدين الحق. ومن سياق هذه الآيات ظهر لنا سيدنا إبراهيم ( ع) وهو يدعو قومه إلى الإيمان ومعرفة خالق الكون والاعتراف بربوبيته وحده:-

This statue depicts Hammurabi (app. 1955-13 BCE) paying respect
to Shamash, the Sumerian sun god.
|
( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82) ( الشعراء)
وهكذا يتبين لنا أن قوم إبراهيم ( ع) كانوا مصرين على عبادة الأوثان، وثابتون بعناد على دين آبائهم. وكان سيدنا إبراهيم ( ع) يعدد لهم صفات الله العظمى وأسمائه الحسنى، ويؤكد لهم أنه الخالق المبدع والبارئ المصور لكل ما في الكون من أشياء، حية أم جامدة، وأن نعمه وأفضاله لا تعد ولا تحصى وسخر لنا كل جميل وحسن في الحياة، وإن تحت حكمه وقدرته وسلطانه كل ما في الوجود، وهو الذي وهب لنا الحياة وأتاح لنا العيش على هذه الأرض التي سخرها ومهدها لنا لننعم من خيراتها، وإن حصول أي شئ ووقوع أي حدث يكون بعلمه وإرادته، فهو الذي أراد وقدر لنا أن نمشي ونأكل ونتكلم، وجميع حركاتنا الإرادية واللاإرادية تتم بعلمه وإرادته. وكان يقول لهم – كما ذكر ذلك القرآن – أن الله هو الذي يشفي الإنسان إذا مرض ويتفضل عليه بالعافية والشفاء، وبدون إذن منه لا يقدر طبيب أو دواء على عمل أي شيء. كما وأنه سبحانه وهب الحياة للإنسان، فإذا جاء أجله فإنه يسلب منه حياته، وأن عنده العلم بالأعمار، وكم سيطول العمر بالإنسان، بالسنين والأشهر والأيام بل بالساعات والدقائق والثواني، وهو الذي قدر كل هذا حتى قبل أن نخلق ونولد. ومكتوب في صحائف أقدار كل حيّ تفاصيل دقيقة عن جميع أمور حياته، وجميع حركاته وأفعاله وأقواله، ولا يقدر على اتخاذ أي قرار أو فعل أي عمل خارج ما قدره له الله وكتبها في كتاب قدره.
لقد خلق الله الإنسان ووهب له حياته في الدنيا من أجل امتحانه واختباره. وأرسل الرسل والأنبياء لإرشاده وتعريفه بالحق وطريق الهداية وأنزل آياته البينات لإخراجه من الظلمات إلى النور. وسوف يحاسبه يوم القيامة على جميع أعماله وتصرفاته. أما من آمن منهم واهتدى وخاف مقام ربه وخشيه بالغيب والتزم أوامره ونواهيه بدقة وكمال وجه، وسخر حياته لنيل رضاه، وعمل الصالحات ليكسب رحمته، فسوف يلقى من ربه جزاءه بالحسنى ويجزي بأحسن ما عمل، لأن ربه رفيق بعباده شفوق عليهم، ورحمته تسعهم وعفوه، يغفر سيئات الذي آمنوا به ويعفو عن خطاياهم يوم الحساب. وقد وعدهم بالنعيم المقيم في جناته الواسعة – خالدين فيها أبد الآبدين.
ولا بد لنا هنا من ذكر موضوع نعتقد أنه يكتسب أهمية. ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يهدي الناس الذين يدعوهم إلى الإيمان ويقوم بتبليغهم بحقائق الدين. فالإيمان قسمة وفضل من الله تعالى. وهكذا نرى أن قوم إبراهيم ( ع) بقوا على الضلالة وأصروا على الكفر وعصوا أمر الله تعالى ولم يتبعوا صوت العقل ولا التفتوا إلى ما يمليه عليهم ضمائرهم رغم ما قام به سيدنا إبراهيم ( ع)من بذل المحاولات وصرف الجهود المضنية في سبيل هدايتهم وإدخالهم إلى حضيرة الإيمان. ولم يكتفوا بالإصرار على الكفر وإنما وصل بهم الحال إلى تهديده بالنفي وبالرجم وبالقتل، بل وقرروا حرقه برميه في النار كما سوف نرى تفاصيل ذلك لاحقا. لذا، يجب ألاّ ننسى حقيقة ثابتة، وهي أن على الإنسان المؤمن أن يقوم بدعوة من حوله من الناس إلى الهداية والالتزام بتعاليم الدين بكل إخلاص وجدية. ولكن إذا ما شاهد عدم الاستجابة منهم فلا بأس عليه، ويجب أن لا يحزن ويقنط.
يقول الله سبحانه في آية ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29) ( الكهف)
ويخاطب رسول الله ( ص) ( كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ( الشورى)
وقال أيضا ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(104) ( يوسف)
إن من أسباب إصرار قوم سيدنا إبراهيم ( ع) على الكفر والوثنية رغم ظهور الحق أمامهم واضحا جليا، ورغم قناعتهم في دواخل أنفسهم سخف ما يعتقدون بها من أصنام وتفاهة آرائهم، هو حرصهم على الاحتفاظ بمكاسبهم والخوف على ضياع منافعهم. لأن النظام الوثني الذي كانوا عليه أتاح لهم فرص كثيرة للكسب والاكتناز والحصول على منافع مادية دنيوية. وأي تغيير أو انقلاب لهذا النظام الديني سيؤدي إلى الإضرار بهم وخسارتهم لامتيازاتهم. ( تماما مثل كفار ومشركي مكة من التجار الذين خافوا على مكانتهم ومكاسبهم ووقفوا ضد رسالة سيدنا الرسول الأكرم ( ص)). وهذه حقيقة بمثابة دستور واجه كل الأنبياء والرسل. وكما يذكر القرآن، فقد جابه جميع الأنبياء والرسل الكثير من المصاعب والعقبات، وأذى وتهديد بالإخراج وبل بالقتل. هؤلاء الأنبياء الكرام اتهموا بمختلف الافتراءات والأباطيل والصفات غير الحسنة، مثل الجنون أو قول الشعر أو السحر والشعوذة والافتراء على الله. وعكسوا الحقائق تماما باتهامهم الأنبياء بالخروج عن طريق الحق والصواب رغم أنهم كانوا على الشر والضلال والانحراف، وقلبوا بذلك المفاهيم والثوابت.
ويجب أن لا ننسى أن هؤلاء بقوا تحت تأثير الجهالة وأسرى للاعقلانية. وفي سبيل الاحتفاظ بمكاسب ومنافع مادية زائلة، دفعوا بأنفسهم إلى الهلاك والخلود الأبدي في نار جهنم وعذابها المقيم. ويخبرنا الله تعالى نهاية ومصير الذين وقفوا أمام الأنبياء والرسل الكرام، هؤلاء المختارون من بين الناس كونهم أصفى وأنقى البشر، وعباد مخلصون لله، خاشعون له:-
( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(112) ( آل عمران)
* سيدنا إبراهيم ( ع) وما خططه بشأن الأوثان

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17) (الحج) |
كما ذكر في القرآن، فإن الله تعالى يمنح عباده المتقين قابلية التفريق بين الصواب والخطأ. وهذه نعمة مخصوصة للمؤمنين دون غيرهم، وفضل كبير من الله عليهم. وأبرز مثال على هذا، ما أنعم الله به على سيدنا إبراهيم ( ع) والذي تجلى في ما قام به من أفعال وأقوال في دعوة قومه إلى الإيمان ونبذ الوثنية والشرك، ثم ما اتخذه من قرارات حكيمة وخطط متينة لمواجهة أهل الكفر وبيان مدى ضعف وسقامة معتقداتهم والأصنام التي يعبدونها. والملفت للنظر أنه قام بكل هذه الإجراءات لوحده أمام عموم قومه. وهذا لا يتأتى إلاّ بإعداد جيد وتنظيم دقيق وحساب محكم للخطوات التي ستتخذ. ومثال على ما قام به لدفع غائلة الكفار والمشركين، ادعاءه المرض لإبعادهم عنه:
( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ(85)أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ(86)فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(87)فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ(88)فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ(90)(الصافات)
وبعد أن أبعدهم عنه ذهب إلى الأوثان وقام بتحطيمها ونثر شظاياها
( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ(91)مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ(92)فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ(93) (الصافات)
( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ(58) (الأنبياء)
ومن صور حكمته وحسن تدبيره وسداد تفكيره، ترك أحد الأوثان سليما. وعندما جاء المشركون إلى معبدهم رأوا أصنامهم محطمة متناثرة عدا أكبرها فلا زال قائما، وبحثوا عمن فعل هذا بآلهتهم واتجهت أنظارهم إلى سيدنا إبراهيم ( ع) لما عرف عنه من عداء للأصنام، ثم وجدوه وأمسكوا به:
( قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ(59)قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(60)قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ(61)قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ(62) (الأنبياء)
هذا الموقف يفسر لماذا ترك أكبر الأصنام سليما.
( قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ(63) (الأنبياء)
وعلى أثر هذا الجواب المفحم، راجع المشركون أنفسهم وشعروا بعجز آلهتهم عن النطق والقيام بأي تصرف واصطدموا بالحقيقة من أنها ليس باستطاعتها حتى دفع الأذى عن نفسها. وبفضل هذه الخطة الحكيمة انكشفت الحقائق أمام أبصارهم.
( فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ(64) (الأنبياء)
غير إن تأثير هذه الصدمة سرعان ما انحسر أمام عناد المشركين، ورجعوا إلى ما وجدوا عليها آباؤهم وتمسكوا بها، وكذلك خشيتهم من خسارة المكاسب والمنافع التي كان يؤمنها لهم هذا النظام الوثني المتوارث:
( ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ(65)قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ(66)أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(67)قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(68) (الأنبياء)
من سير الأحداث هذه، تظهر لنا دقة التخطيط ومتانة التصميم الذي أعده سيدنا إبراهيم ( ع) ابتداء من إدعاء ( المرض) الذي أبعد قومه عنه تاركا المجال أمامه للتصرف بحرية، ثم تحطيمه الأصنام جميعها عدا أكبرها. وقد فعل هذا لعلمه وتقديره بردة فعل قومه. هذه جميعها إنما نتيجة رعاية الله له وإلهامه إليه بهذه الخطط المحكمة والآراء السديدة ولما كان يتمتع به سيدنا إبراهيم ( ع) من رأي راجح وفكر نيرّ. وهكذا نرى آثار فضل الله عليه في جميع ما عمله وأوصله إلى النجاح الذي تحقق له. وحينما ادعى أن كبير الأصنام قام بتحطيم الأصنام كلها، فكأنما وضع المشركين أمام محاكمة واستنطاق وتحقيق. وبذلك تحققت الخطوة الأولى من خطته التي اعتمد فيها التدرج والخطوات اللاحقة.
ولعل من الأسباب التي دفعته إلى تحطيم الأصنام، إظهار مدى سخف وتفاهة فكرة الشرك وعبادة الأحجار الصماء وعدم عقلانية هذا المعتقد الذي لا يتلاءم مع العقل والمنطق. وأراد أن يشعرهم بالخطأ الكبير من صنع هذه الأصنام ثم عبادتها وتقديسها والخضوع لها. وكذلك مدى الانحراف والابتعاد عن الطريق الصحيح، وعن سبيل الحق الإلهي وتقاطعه مع الوحي المنزل لإرشاد الناس وإخراجهم من الظلمات.
إن مجرد التفكير بأن هذه الأوثان لا تتحرك، ولا تأكل أو تشرب، ثم هي قادرة على إلحاق الأذى وتأمين المنافع، يدل على ضحالة في العقل والتفكير. فكيف الحال إذا ما قام الناس بطلب العون والمدد منها عند وقوعهم في مصاعب وشدائد والتضرع إليها. بل وتجاوز الأمر عندهم عندما ادعوا وآمنوا أن هذه الأحجار الصماء هي التي خلقت الكائنات وما فيها وتتحكم في إدارتها وتنظيمها وتوزع الأرزاق والمعاش وتبعث الحياة وتجلب الموت، ولها القدرة على جلب الأمراض ثم الشفاء منها. إلى هذا الحد كانوا فقراء ومحرومون من العقل السليم والتفكير الرصين والرأي السديد. ويلخص لنا القرآن ضحالة وضعف موقف المشركين هؤلاء:
( وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ(192)وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ(193) (الأعراف)
( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِي(195) (الأعراف)
ومن الخطأ التصور إن هذا الإدراك الضعيف المنحرف محصور بزمن النبي إبراهيم ( ع). لأن عبادة الأصنام مستمرة ولا زالت قائمة إلى أيامنا هذه، وربما تحت أسماء وشعارات أخرى. وما كان يؤمن به المشركون قريب الشبه بما يجول في أفكار أنصار " داروين" من المدعين بالتطور.
2 الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان. جلد/2،ص.( 130).
|