الدّاروينية في الزّمن القديم - Harun Yahya

الدّاروينية في الزّمن القديم






أساطير الدارونية المنهارة و التعريف الصحيح للعلم

لو أننا أجرينا استطلاعا للرأي وشارك فيه المدافعون عن نظرية التطور في يومنا الحاضر  من الصحفيين و الكُتَّاب و المفكرين و رجال العلم و الأكاديميين و سألناهم جميعاً: "ما الدافع الذي يجعلكم تعتقدون في صحة نظرية التطور، و ما هي الدلائل على صحة هذه النظرية؟" لكانت إجابات أغلبهم عبارة عن "أساطير" خاطئة تبعد كل واحدة منها كل البعد عن العلم. وسوف نعدد فيما يلي أكثر هذه الأساطير شُهرةً و أسباب بعدها عن الحقيقة.

1. يزعم مؤيدو التطور أن "التجارب التي قام بها رجال العلم قد أظهرت أن الحياة يمكنها أن تخلق نفسها بنفسها عن طريق بعض التفاعلات الكيميائية ". بيد أنه لا يوجد حتى تجربة واحدة تظهر صحة ما يذهبون إليه علاوة على ذلك فقد ظهر أنه ليس من الممكن أن يحدث هذا حتى على المستوى النظري.

2. يزعمون أن الحفريات تدل على حدوث وتيرة تطور على الأرض، إلا أنه و على العكس من ذلك تماما فقد أظهرت الحفريات "تاريخ الطبيعة" بشكل مخالف تماما لآراء نظرية التطور و بينت أنها خُلقت جميعاً في لحظة واحدة.

3. هم يظنون أن حفرية الطائر الأولى الشهيرة حفرية الطائر الأولي المجنح (طائر بدائي منقرض شبيه بالزواحف) تعتبر دليلا يثبت الزعم القائل بأن الزواحف قد تطورت إلى طيور. إلا- أنه فهم من هذه الحفرية أنها لطائر هوائي حقيقي كما أنه لم يوجد أي من الزواحف يمكن أن يُشار إليها على أنها جد لهذا الكائن الحي. و بتوضيح هذه الحقيقة، لم يبق ثمة دليل واحد يمكن أن يدعم رأي أنصار نظرية التطور القائل بأن الطيور تطورت تدريجيا من الزواحف.

4. يزعمون أن الحفريات المعروف أنها من سلاسل الخيول تشير إلى أن الحصان في وقتنا الحالي قد تطور من ثدييات ذات أبعاد أكثر صغراً. بيد أن موضوع سلاسل الخيول لم يسفر عن شيء سوى الفشل التام.  حتى أن بعض الكائنات التي  أشاروا إليها باعتبارها جدا أو سلفا للحصان كانت أكبر سناً و شيخوخة من الأجداد في الحقيقة، أي أنه لا يمكن أن يكون انتقالا كما ادعى أنصار نظرية التطور فيما بينهم. وبذلك يُلقى زعم كلاسيكي آخر لأنصار نظرية التطور في سلة المهملات.

5. يزعمون أن " فراشات الثورة الصناعية " الشهيرة في انجلترا تشكل دليلاً على التطور عن طريق الاصطفاء أو الانتخاب الطبيعي. غير أنه اتضح بما لا يدع مجالا لأي شك أن التغير الذي حدث في ألوان الفراشات في أثناء الثورة الصناعية لا يمكن أن يكون تطوراً تم بواسطة الاصطفاء أو الاختيار الطبيعي. فألوان تلك الفراشات لم تتغير، وكل ما حدث أن أعداد الفراشات البيضاء التي كانت موجودة قد تناقصت بفعل الظروف البيئية المحيطة، و في مقابل ذلك تزايدت الفراشات ذات الألوان الداكنة. لذلك بطلت هذه الفكرة التي كان يحتج بها أنصار نظرية التطور بوصفها أحد أدلتهم المزعومة بعد أن اتضح زيف هذه الحكاية من الناحية العلمية.

6. يزعمون وجود  آثار و بقايا لحفرية خاصة "بالرجل القرد" و التي تشير إلى أن الإنسان و القرود قد انحدروا من جد واحد مشترك. بيد أن كل الادعاءات المتعلقة بهذا الموضوع  لا تستند إلى أي دليل غير الحكم المسبق، حتى أن أنصار التطور اضطروا إلى القول أنه "لا يوجد دليل في موضوع تطور الإنسان ". و نسوق في هذا الإطار مثالا و هو ما قاله ريتشارد ليكاي Richard Leakey و هو أحد علماء الباليوأنثروبولوجيا (علم يبحث في أصول الإنسان القديم) على هذا النحو:
يتحدث ديفيد بيبام باستياء قائلاً: "لو أنكم جئتم برجل علم ذكي ماهر من  فرع مختلف من فروع العلم و أطلعتموه على ما لدينا من دلائل غير كافية فإنه سيقول لكم و بكل تأكيد انسوا هذا الموضوع  فليس لديكم دعامة أو سند كاف للاستمرار فيه." و مما لا شك فيه أنه لا ديفيد و لا غيره ممن يبحثون في موضوع جد الانسان سوف ينصاع ويأخذ بهذه النصيحة، غير أننا ندرك جميعاً و بشكل تام كم هو خطير أن تستخرج نتيجة استناداً إلى دلائل غير كافية إلى هذا الحد.(2)
أما ديفيد بيبام و هو من علماء الباليوأنثروبولوجيا المناصرين لفكرة التطور و الذي ذكره ليكاي في حديثه فقد أدلى باعترافه التالي في هذا الموضوع:    


 

”لم يشمل مجال ترددي هذا الكتاب فحسب ( كتاب ريتشارد ليكاي الذي يحمل اسم الأصول) بل شمل أيضاً كل المجالات المتعلقة بعلم الباليوأنثروبولوجيا أيضاً. و تحجم الكتب المنشورة عن الخوض في ذلك لدرجة ان الذين يبحثون في موضوع تطور الإنسان طوال الأجيال التي أنا منها أيضاً يتخبطون في الظلمات. فما لدينا من معلومات غير كافية و لا يمكن أن نثق فيها إلى ما لا نهاية. (3).

و يتضح أن الحفريات التي يقولون إنها تعود إلى الجد المزعوم للإنسان إنما تعود إما إلى نوع من القرود التي انقرضت أو إلى عرق أو نسل إنساني مختلف. نتيجة لذلك، لم يتمكن أنصار نظرية التطور من إيجاد دليل واحد يؤكدون به ادعاءاتهم الخاصة بتطور الإنسان والقرد من جد واحد مشترك.

7. يزعمون أن الكائنات الحية بما فيها الانسان قد مرت بنفس بـ"مرحلة التطور"، و هي أجنة في رحم أمهاتها (أو في البيضة)، حتى أن الجنين البشري يكون له خياشيم و لكنه يفقدها بعد فترة. لقد ظهر و بالأدلة أن هذا الزعم لم يكن له أي أصل و أنه استند فقط إلى تزييف كبير للعلم. لقد قام العالم هايكل Haeckel و هو صاحب هذا الزعم بعمل تغييرات مقصودة و متعمدة في رسم الأجنة، و عمل جاهداً على إظهار وجود تشابه فيما بين بعضها البعض. و يجمع أنصار نظرية التطور أنفسهم على أن هذا الزعم ليس إلا تزييفا بعيدا كل البعد عن العلم.

8. يزعمون ان الأعضاء التي لا تستخدم، أي لا يكون لها وظيفة "تضمر" مع الوقت سواء أكان ذلك عند الإنسان أو لدى الكائنات الحية الأخرى. حتى إنهم يزعمون أن جزء كبيرا من الحامض النووي DNA ليس له وظيفة لذا فهو على حد قولهم "DNA  خُرْدة ". بيد أن كل هذه الادعاءات تمخضت عن الجهل بالعلم في هذه الفترة، فكلما مر الزمن تقدم العلم، و قد أثبت العلم أن الأعضاء و كل الجينات لها وظائفها التي تقوم بها. و تشير هذه الحقيقة إلى أن الكائنات الحية لم يكن لها أعضاء ضمرت بسبب عدم استخدامها خلال وتيرة التطور، و أنها خُلقت بكامل أعضائها و بنائها دون أن يكون هناك نقص أو خلل، و لن يوجد ثمة أثر للمصادفات.

9. يزعمون أن هناك دليل تطور قوي بحدوث "تغير" (تنوع) داخل النوع الواحد للكائن الحي – على سبيل المثال البناء المختلف لمناقير عصافير الدوري ( الحَسُّون ) الموجودة في جزر جالاباجوس. غير أنه من المعلوم أن هذا لن يكون دليلا على التطور.  إن التغيرات التي تتم على المستوى "المجهري أو الدقيق" كما هو الحال بالنسبة للاختلافات الموجودة في بنى المناقير لا يمكن أن توجد معلومة إحيائية جديدة، أي لن تخلق أعضاء جديدة، و لهذا السبب لا يمكن أن تضمن حدوث التطور. و نتيجة لذلك يُسلِّم الداروينيون الجدد أيضاً بأن حدوث بعض التغيرات والتنوعات داخل النوع الواحد لا يمكن أن تكون سببا في حدوث التطور المزعوم.


دخلت نظرية التطور إلى المناهج التعليمية في الدول الغربية اعتباراً من القرن التاسع عشر وتم تدريسها للأجيال الشابة على اعتبار انها حقيقة علمية. وكانت النتيجة أن كل من درس هذه النظرية أصبح في الحقيقة من "المؤيدين" تماماً لتلك النظرية المناقضة للعلم.

10. هم يزعمون أنه من الممكن تخليق أنواع جديدة من الكائنات الحية مع الطفرات الإحيائية التي تحدث في التجارب التي أُجريت على ذباب الفاكهة. غير أن هذه التجارب التي أجريت على ذباب الفاكهة لم تسفر إلا عن ذباب مشلول غير مكتمل الأعضاء، و لم يُلحظ حدوث أية طفرة احيائية مفيدة ً. إن عدم القدرة على استنباط أنواع جديدة في الطفرات الاحيائية التي تمت تحت إشراف رجال العلم المتخصصين من أصحاب العقل و العلم ليس دليلا على التطور، وليس تطوراً. و لهذا السبب فليس من الممكن الإشارة إلى الطفرات الاحيائية على اعتبار أنها تمثل دليلا على التطور.

و في مواجهة سؤال " لماذا تؤيدون نظرية التطور ؟" فسوف نجد أن معرفة عدد كبير من المشاركين في استطلاع الرأي لم تكن سوى معرفة سطحية، و سيجيبون بعدد قليل من الأدلة المزعومة التي استعرضناها. فقد أقنعتهم الأساطير التي قرأوها لمرة واحدة يوما ما في ركن من جريدة أو مجلة أو استمعوا اليها من مدرسي الثانوي أو رأوها في المصادر الخاصة بفكرة التطور، وبالتالي لم يجدوا ضرورة لاستيضاح الأمر أكثر أو للسؤال بشكل أكبر. غير أن الحقيقة هي أن كل دليل من الأدلة التي ساقوها لا تتعدى كونها أدلة فاسدة.

و هذا ليس مجرد زعم أو ادعاء، فهو عين الحقيقة فقد استطاع العلماء الذين ينتقدون نظرية التطور إثبات هذه الحقائق بالقرائن المادية. و سوف نعرض في صفحات قادمة من هذا الكتاب للحقيقة نفسها. ويقول عالم الاحياء الامريكي جونسان ويلز Jonathan Wells (4) و هو أحد الأسماء المهمة التي تنتقد الداروينية إنه يحفظ عن ظهر قلب كثيرا من مؤيدي التطور إلا أنه يعرف أساطير التطور التى نتحدث عنها والتي تعتمد كل واحدة منها على معتقدات باطلة يعرفها على أنها " أيقونات التطور" . والأيقونة هي اسم احتل مكانا في بعض الأديان و المعتقدات الباطلة، وتطلق على الرموز التي تُذَكِّر بمن ينتسبون. أما الأيقونات التي استخدمها المرتبطون بنظرية التطور (5) التي هي دين إلحادي حتى يحافظوا على استمرار معتقداتهم مثل الأشكال التي لا تتعدى كونها تزييفا للعلم و الحقيقة مثل رسم "الإنسان القرد " و " الخياشيم الموجودة في الجنين البشري " بالإضافة إلى الأشكال التي عرضناها في السابق كلها كانت عبارة عن أساطير لا أصل لأي منها.

ويحصي ويلز في كتابة الذي يحمل عنوان "أيقونات التطور: هل هي علم أم أسطورة؟ لماذا أن معظم ما تعلمناه عن التطور كان خطئاً ؟" يحصي عشرة من أيقونات التطور متوازية مع الأساطير التي أحصيناها هنا، ويتحدث بالتفصيل عن أسباب فساد هذه الأساطير وعدم صحتها.



كتاب لبنيامين ويكر
  

 Benjamin Wiker

كل هذه الأساطير في وضع المنهار اليوم. و لا يوجد أيضاً لدى أنصار فكرة التطور أي دليل جديد يمكن أن يعرضوه بديلا عن هذه الأساطير. و مع هذه الأسباب فان الداروينية هي نظرية قديمة فاسدة، وهي تبدو مقنعة بالنسبة إلى بعض الأشخاص "في الأزمنة المنقضية "، و في مستوى علمي غير كاف ساد القرن التاسع عشر، إلا أن ذلك القناع الذي بدت عليه قد أُسقط تماماً في القرن الواحد و العشرين. 
فلا تعارض على الإطلاق بين الدين و العلم.
سوف نتناول بالبحث في الصفحات القادمة أساطير الداروينية المنهارة، إلا أنه يجب علينا قبل هذا أن نفنِّد الدافع الذي يربط الكثير من مؤيدي فكرة التطور بهذه النظرية.
وهذا الدافع هو القالب المزيف الذي يطلق عليه اسم "الصدام بين الدين و العلم". و خارج هذه الحقيقة يزعم المدافعون عن هذا القالب أن نظرية التطور قد أصبحت حقيقة لها ما يؤيدها من القرائن و الأدلة العلمية التي يسلم بها "رجال العلم" بقناعة مشتركة. و هم يزعمون أن حقيقة الخلق هي ضرورة للاعتقاد فقط، وهي تختلف عن العلم. غير أن هذه الادعاءات بعيدة كل البعد عن الحقيقة. و كمثال على ذلك يمكن أن نعرض المناقشة التي تمت في موضوع ضرورة تدريس نظرية التطور في المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى الرغم من أن هذه المناقشة قد تمت على مستوى علمي تماماً، إلا أنه وُجد من يحاول أن يظهره بشكل "عدم التوافق بين الكنيسة و رجال العلم ". و في تركيا أيضا عندما نتأمل في الأخبار التي تتناقلها وسائل الاعلام في هذا الموضوع، أو عندما ننظر إلى المقالات الخاصة بهذا الموضوع و التي يكتبها الكُتَّاب في الجرائد نرى أنهم جميعاً قد استخدموا نفس القالب السطحي الخاطئ.

و هذا القالب خاطىء تماماً للأسباب التي سوقها فيما يلي:

في البداية يتم الدفاع عن الخلق بالأدلة العلمية. إن نقاش الخلق - التطور الدائر في العالم اليوم لم يكن بين " الكنيسة و رجال العلم " و إنما هو يجري بين رجال العلم الذين يرون عدم صلاحية نظرية التطور و رجال العلم الذين يصرون على تأييد النظرية نفسها. إن كل الدلائل العلمية الموجودة تقف ضد التطور. و بفضل هذه الدلائل و القرائن تعرضت نظرية التطور للسقوط في الولايات المتحدة الامريكية اعتبارا من النصف الثانى من التسعينات، بل و اتخذت عدد من الولايات هناك مثل كنساس و جورجيا و أوهايو القرار  بضرورة تدريس هذه القرائن التي تشير إلى عدم  صلوحية تدريس نظرية التطور في مدارسها. ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية معارضة قوية إلى  حد ما لنظرية التطور. و جميع أعضاء هذه الحركة من رجال العلم الذين لهم رصيد مهني في أكبر جامعات الولايات المتحدة الأمريكية. حتى إن البروفيسور كينيون – وهو كان واحدا من أشهر المدافعين عن نظرية التطور بأطروحته التي قدمها في السبعينات فيما يتعلق بأصل الحياة و التطور الكيميائي - تحول هو أيضا إلى واحد من ممثلي الحركة المضادة لنظرية التطور، و تحدث عن أن أصل الحياة لا يمكن أن يفسر بالتطور و إنما بالخلق.

المذهب الاعتقادي الذي ورثته الداروينية عن أبيقور

يحكي بنجامين ولكر و هو مدرس العلوم و التكنولوجيا في جامعة فران سيسكان في كتابه الذي يحمل اسم Moral Darwinism: How We Become Hedonists ? ( الداروينية الأخلاقية: لماذا تحولنا إلى أشخاص منغمسين في الملذات الحسية المادية؟ ) يحكي بالتفصيل كيف أن المفكرين الماديين من المؤيدين لنظرية التطور الداروينية في اليونان القديمة و روما قد أصبحوا نسخة معدلة لفلسفة أبيقور و لوكريتيوس. و قد تحدث هذان المفكران عما جاء به داروين فيما بعد من حيث:

1. أن الطبيعة "هي ذلك النظام الذي يعمل من تلقاء نفسه".

2. أن ما بين الكائنات الحية من منافسات و معارك حياتية إنما يحدثه التطور الذي يتم بدوره بواسطة الاصطفاء أو الاختيار الطبيعي الفطري.

3. و كتبا بالتفصيل في معرض حديثيهما عن الطبيعة و الكائنات الحية عن الأفكار البعيدة عن الحقيقة مثل عدم إعطاء تفسير غائي للأشياء ( أي ألا تتوصل إلى تفسير لشيء ما بواسطة الفكر الغائي الذي يقول بأن كل شيء في الطبيعة مقصود منه تحقيق غاية معينة).

أما ما يلفت الانتباه حقاً، هو أن هذه الآراء لم تكن مستندة على أساس علمي. فلم يقم لا أبيقور و لا لوكريتيوس بتجارب و لا ملاحظات علمية، و كان كل ما قاموا به هو أنهم وجَّهوا الأمر كله بشكل يتوافق و رغباتهم هم فقط. بل و الأكثر من ذلك أن نشأة هذا المنطق كان غريبا للغاية. فقد أوضح أبيقور أنه لا يريد أن يقبل بفكرة وجود إله و أن هذه الحقيقة تقترن بالاعتقاد بوجود آخرة، لهذا فهو يشعر بأنه مقيد و محاصر. وأوضح أنه طوَّر فلسفته كلها حتى يتخلص من هذا الموقف الذي لا يرغب في التسليم به. أو بقول آخر إن أبيقور اختار لنفسه المذهب الإلحادي لأنه هو الذي سيحقق الراحة النفسية له. و اندفع بعد ذلك لتكوين وجهة نظر دنيوية تستند في الأساس على اختياره هذا أيضاً. و مع هذا عمل على إيجاد تفسير إلحادي لا يمت إلى الدين بصلة لمواضيع مثل النظام الموجود في الكون و أصل الكائنات الحية، و انطلاقا من هذا الهدف تبنى الأفكار الرئيسية للتطور.

ويعلق بنجامين ولكر الذي شرح بشكل مفصل العلاقة بين أبيقور و داروين التي تناولناها نحن بشكل مقتضب:


أن الدارويني الأول لم يكن داروين بل كان أبيقور ذلك اليوناني صاحب السمعة السيئة الذي ولد في عام 341 قبل الميلاد في جزيرة صاموص. فهو من أقام الأسس الفلسفية للدارونية لأنه هو من أقام علم الكونيات (الكوزمولوجيا) المادي الالحادي البعيد عن الدين. و وفقا لعلم الكونيات هذا، فإن التأثير و التأثر العشوائي للمواد الجامدة التي لا حياة فيها لم يكوِّن الأرض فقط بل تسبب أيضا في وجود كل ما عليها من أشكال الحياة التي لا تعد و تحصي، و كان ذلك نتيجة لسلسلة من الحوادث التي جرت عن طريق المصادفة في الزمن الأبدي غير المتناهي. لم يستند أبيقور إلى أي دليل أو قرينة وهو يصيغ علم الكونيات، بل صاغه معتمدا على فكرة تجريد العالم من فكرة الخالق...
إن النفور الذي شعر به أبيقور نحو الدين ربطه بالحديث، لأن الداروينيين العصريين هم ورثة أبيقور أيضاً. و في نهاية طريق طويل و متعرج تحول أحد الأشكال المعدَّلة للمادية الأبيقورية الأساس الذي قامت عليه المادية العلمية في يومنا الحاضر. فكان علم الكونيات الذي افترضه داروين في أصل الأنواع و شكلت حتى يومنا الحاضر الأساس الفكري لأولئك الذين يغفلون التصاميم الموجودة في الطبيعة.(6)

وليس منطلق الدفاع بإصرار عن نظرية التطور في يومنا الحالي بسبب أنهم "متحيزين للعلم" و إنما كونهم "متحيزين للمذهب الإلحادي". أما ارتباطهم بالمذهب الإلحادي فينبع كما هو الحال عن أبيقور، و هم أصحاب الفكرة الأصليين في موضوع الصدام بين التسليم بوجود الله و بين ميولهم الأنانية.
ويجب أن نوضح هنا أن الله سبحانه وتعالى قد بين في القرآن الكريم موقف المنكرين و الملحدين، فالآية رقم 14 من سورة النمل توضح موقف هؤلاء الأشخاص تماماً "وجحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلماً و عُلُواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين" (النمل: 14). و في آية أخرى "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً" (الفرقان: 43).

وتدخل الجماعة الأبيقورية – الداروينية التى تنكر وجود الله تعالى ضمن أولئك الأشخاص الذين تحدثت عنهم الآية و عرَّفت بهم. والسبب في ذلك أن اعتبار النقاش حول التطور والخلق "صدام بين العلم و الدين" خديعة كبيرة.
إن الخلق و التطور فيه توضيح و تفسير لأصل الكون والكائنات الحية، وهما موجودان منذ عصور التاريخ السحيقة.  إلا أنه يجب النظر إلى الاستنتاجات العلمية والاطلاع عليها حتى نتمكن من فهم أي من هذين التفسيرين صحيح من الناحية العلمية. و قد اثبتت جميع الاستنتاجات العلمية سواء التي سقناها في هذا الكتاب أو تلك الموجودة في كتبنا الأخرى خطأ نظرية التطور، أما حقيقة الخلق فأنا أؤكد مرة أخرى على أنها صحيحة.

الخطأ الذي أُضطر معه العلم إلى أن يكون إلحادياً

لا توجد ضرورة لعلم إلحادي، أي الاعتقاد في أن الكون هو المادة فقط ولا يوجد شعور أو إدراك خلف هذه المادة. إن العلم يبحث في الاستنتاجات، وهو يقبل بالاستنتاجات القاطعة و الصحيحة تماما مهما كان المكان الذي سيقودنا إليه.
و تشير و بوضوح فروع العلم المختلفة اليوم مثل الفيزياء الفلكية و الفيزياء و الأحياء أن التفسير الذي يتم في الكون و الطبيعة عن طريق المصادفة هي عبارة عن نماذج مستحيلة للخلق، و تبرهن الأدلة على وجود خالق. و هذا الخالق هو الله الذي خلق السماوات و الأرض و كل شيء بينهما سواء أكان من الأحياء أو من الجمادات، وهو وحدة صاحب القوة و العقل الأبديين.

أما الاعتقاد الذي لا يوجد دليل يبرهن على صحته فهو المذهب الإلحادي.

أما الدارونية التي تعتبر أهم دعامة للمذهب الإلحادي فقد أصبحت في حكم المنهار كما سنوضح في الصفحات التالية.

 

2- Robert D. Martin, Primatlar?n Orijini ve Evrim, Princetown Universitesi Yay?nlar?, 1990, s.82
3- David Pilbeam, American Scientist, Say? 66, May?s Haziran, 1978, s.379
4- Jonathan Wells, California Berkeley Universitesi'nde biyoloji lisans? ve moleküler biyoloji doktoras? yapm?? bir bilim adam?d?r. Ayr?ca Yale Universitesi'nde 19. yüzy?ldaki Darwinizm tart??malar?n?n tarihi Halen Seattle'daki Discovery Institute'da çal??malar?n? sürdürmektedir.
5- Evrimin bir din olarak tan?mlanmas? baz? okuyuculara garip gelebilir, ama son derece yerindedir. Din, bir insan?n inand??? ve hayata bak???n? belirleyen temel prensipleri ifade eder. ?nsana materyalist bir bak?? veren ve bilime de?il inanca dayanan evrim teorisi de bir dindir. Bu teoriyi din olarak tan?mlayanlar aras?nda Julian Huxley veya Pierre Teilhard de Chardin gibi baz? evrimcilerin de yer ald???n? belirtmek gerekir.
6- Benjamin D. Wiker, "Does Science Point to God? Part II: The Christian Critics", The Crisis Magazine, Temmuz-A?ustos 2003, http://www.crisismagazine.com/julaug2003/feature1.htm