الفصل الثالث
الحياة في مجتمع الجاهلية
ذكرنا في المقاطع السابقة أن الفرق بين الكفار والمؤمنين هو إدراك المؤمنين لعظمة الله عز وجل اللامتناهية، وتحدثنا أيضاً كيف أن المؤمن بالله يكرس حياته كلها لعبادة الله والفوز برضوانه ·
إن أكثر الخصائص التي يختص بها المؤمن، الذي يمكنه إدرك عظمة خالقه ويكرس حياته للفوز برحمة الله وبركاته، أهمية هي تحرره من كل معبود سوى الله عز وجل· فعندما يحقق عبوديته لله تختلف نظرته إلى الكون من حوله لأنه يعرف أن الله هو الذي خلقه· وأدراك المؤمن لوحدانية الله يعني أن تفقد كل الآلهة الأخرى معناها وأهميتها بالنسبة له ·
يشرح لنا القرآن الكريم هذه النقطة من خلال قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ,إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا .
مريم 41-42 ·
وعندما يعيش المؤمن حياته في سبيل الله الواحد الأحد، يبتغي مرضاته، يدعوه ويبتهل إليه يشعر بتحرره من كل المخلوقات، إنه عبد لله فقط· هنا يتعزز عنده الشعور بالاستغناء عن السعي وراء كسب مرضاة الآخرين وتعليق آماله على العباد من خلق الله· والشعور بالحرية الحقيقية لا يكتمل إلا بإدراك حقيقة الإقبال على الواحد القهار ·
تختلف حياة الكفار عن حياة المؤمنين في أنهم عباد لعدد لا يعد ولا يحصى من الآلهة الزائفة· يعيش أولئك جل حياتهم في سعي لمرضاة الكثير من العباد ، وعندما يبتغون العون، يبتغونه من أناس آخرين· والحقيقة هي أن هؤلاء المخلوقات الذين يؤلههم الكفار ليسوا إلا ''عباداً'' ضعفاء مثله تماماً، وهم غير قادرين، لا بل هم عاجزون عن تحقيق رغباته علاوة على تقديم الخدمات له· الموت هو أكبر دليل على عجز هؤلاء عن تقديم المساعدة، إلا أن الوقت يكون قد فات، عندما يحين الموت، تتوضح حقيقة هؤلاء الآلهة الزائفة ·
يروي لنا القرآن الكريم النهاية المسدودة التي يصل إليها هؤلاء :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ,لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُون
يس 74-75 ·
تقوم حياة الكافرين على هذا المنحى العقلاني المشوه، ومن هنا ينشأ فرق آخر هام بين الكفار والمؤمنين، فالمؤمنون يقبلون المعايير التي يضعها الله عز وجل ويتخذونها دستوراً لحياتهم؛ دينهم الإسلام ويطبقون أحكام القرآن والسنة ·
أما الذين يعيشون في غفلة عن الله فيقبلون المعايير التي يضعها الآلهة الزائفون أكثر من قبولهم للمعايير الإلهية الحقيقية، ودينهم دين الشرك وليس دين الإسلام الذي يمثل قانون الله الثابت· هؤلاء الأشخاص يواجهون قوانين وأهداف متعددة يفرضها عليهم المجتمع، مما يعني أنهم يلتزمون بعدة أديان من خلال الأشكال المتعددة والأهداف المتنوعة التي يعيشون لأجلها ·
بعضهم يعيش من أجل السلطة والبعض من أجل السمعة والمال، وآخرون من أجل المكانة الإجتماعية المتنفذة· منهم من يسعى للحصول على ''زوجة جيدة'' ومنهم من يسعى من أجل ''حياة عائلية سعيدة ''· هذه الأهداف المختلفة تستلزم أنماط حياة مختلفة، وبالتالي ''أديان'' مختلفة وسبب هذاكله عدم قدرة هؤلاء على إدراك وفهم وجود الله ومعرفة حدوده ·
إلا أن الإنسان، بفطرته، يميل إلى تحقيق عبوديته لله عز وجل · فهو بعجزه عن تحقيق حاجاته التي لا تنتهي، وهذا أمر طبيعي، يلتفت إلى الله خالقه وحده· إن فطرة الإنسان تدفعه دائماًلمعرفة الله وحده :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . الروم 30 ·
إن المؤمن المخلص الذي لا تأخذه الرغبات الشيطانية ولا تتأثر بها روحه، وإنما يحركه الإيمان بخالقه، يعرف كيف يبرمج نفسه وحياته بناء على الشريعة التي وضعها له كتاب الله ويعتبر الرسل هم النماذج الذي عليه الاحتذاء بهم· وتختلف حياة المؤمن بشكل تام عن حياة الكافر ، فالمؤمن يتعلم من القرآن والسنة حقائق لا يمكن للكافر اكتشافها· فعلى سبيل المثال، لقد أخبر الله عز وجل المؤمن وبشره أن النعيم الخالد سيكون مصير كل من يلتزم بأوامر الله وينتهي عن نواهيه :
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا .الطلاق 2-3 ·
والمؤمن الذي يدرك قوة الله وعظمته يكرس حياته له، لأنه يعرف أنه كافيه ويمكنه التوكل عليه وحده، ومن أروع قصص التوكل قصة سيدنا يعقوب عليه السلام :
وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُون . يوسف 67 ·
فالمؤمن الذي يدرك هذه الحقيقة يعرف أن واجبه في هذه الحياة يتلخص في إخلاصه لله تعالى· إنه واجبه و''مهنته'' في هذه الحياة الدنيا· إنه يحمل مسؤولية الجهاد في سبيل الله· إنه يسأل الله في كل شيء، لأن الله هو الذي يقدم له كل شيء· يعرض لنا القرآن الكريم الهدف من خلق الخلائق :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ,مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي ,إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين . الذاريات 56-58 ·
ومن هذا المنطلق لا يمكن أن ''يخشى '' المؤمن الحق من ''المستقبل''، فهذا الخوف يختص به أولئك الذين يرون الحياة على أنها صراع بين المئات من الآلهة والطواغيت· فعندما يغيب عنهم أن جميع الأحداث تأخذ مجراها بقدرة الله ومشيئته فقط، يعتقدون أنهم يحتاجون للصراع من أجل البقاء· إنهم يرون انتصارهم '' بالدوس على الآخرين'' وأن ''ظلمهم واضطهادهم'' هو الذي سيمكنهم من إنجاز أهدافهم، وتحقيق مصالحهم ·
يشرح سعيد النورسي كيف يفشل الإنسان في تفهم واجبه الحقيقي في تحقيق عبوديته لله ويضيف :
''··إنهم يعتقدون بغباء أن الحياة دار صراع··''··هذه العقلية التي يشارك بها أولئك الذين لا يسيرون على المثل القرآنية، تشكل القاعدة العقلية لدياناتهم· وبسبب هذه العقلية يعيش هؤلاء في معاناة وشدة نفسية دائمة :
- فغالبية هؤلاء، بخلاف مع المؤمنين، يتصفون بالأنانية، والعيش من أجل المصلحة الشخصية فقط ·
- إنهم يفتقدون الطباع الرقيقة التي تعتبر مصدر التضحية والإيثار، وعندما يحبون فهم بحبون من أجل المصلحة، يحبون الآخر ليس من أجل أخلاقه وقيمه، بل لأنهم يستمتعون بحبه ·
- ويبادلهم هذا الآخر الحب على نفس المبدأ، وهكذا تكون العلاقة قائمة على أساس تبادل المصالح، وتغيب ثقة كل بشريكه، لأنه يعرف أنه في أي لحظة يمكن أن يجد من هو أغنى وأقوى ···
- يستهلكهم الحسد والغيرة، مما يمنع عنهم الاستمتاع بالجمال والسعادة· فبدلاً من الاستمتاع بالنعمة التي قد يراها هؤلاء على غيرهم كأن يقول ''يا لهذا الجمال الذي أسبغه الله عليه''، يقول: ''لماذا لم يخلقني بجماله؟ ''
- لا يشعرون بالشكر والمنة لله، وهم غير راضين بما هم فيه من نعمة ومنة، وهذا ما يولد لديهم الشعور بالطمع وطلب المزيد، وهذا يجعلهم يعيشون في قلق دائم ·
- لا يقرون بضعفهم أمام الله ولا يطلبون منه العون· إنهم يظنون أنهم يتخلصون من ضعفهم عندما يبتعدون عن الله ويستغنون عن قوته وعونه· إلا أن هذا لا يخلصهم من ضعفهم، فهم في هذه اللحظة أيضاً يعلقون آمالهم على الآخرين، الذين لا يتفضلون عليهم بشيء بل هم عباد أمثالهم· إنهم بعيدون عن الرحمة والصبر، دائمو الشعور بالإحباط والأسى، وفي لهاث مستمر وراء مصالحهم ·
- بعيدون عن الصبر والتسامح· ولهذا السبب تظهر الصراعات بينهم من مجرد مناقشة قد تتناقض فيها الآراء· والغرور يمنع أياً من هؤلاء من الاعتراف بخطئه ·
- إنهم يرفضون الاعتراف بأنهم يعيشون في هذه الحياة في رعاية الله وتحت حكمه، بل يظنون أنهم يعيشون في غابة وحشية عليهم أن ''يهزموا'' الآخرين ليستمروا هم· ومن هذا المنطلق تجدهم يتميزون بشخصيات أنانية وعدائية تفيدهم في تحقيق شعار الغابة : ''الصراع من أجل البقاء''، فهم إما سيبتلعون كأسماك صغيرة، أو سيكبرون ليصبحوا أسماكاً كبيرة تأكل الأسماك الصغيرة ·
هذه الصفات تطبع المجتمعات التي لا يمارس فيها الناس الدين الحقيقي، ويتصرفون على أسس ضالة مضلة· يصف القرآن الكريم هذه المجتمعات بـ ''الجاهلية'' لأنهم لا يعترفون مطلقاً لا بالله ولا باليوم الآخر· يصف لنا القرآن الكريم حال سيدنا موسى(ع) مع بني إسرائيل في دعواهم الضالة :
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . الأعراف 138-140 ·
وكما قلنا سابقاً، فإن '' مجتمعات الجاهلية'' ليست واحدةً في شكلها· وبالرغم من أنها في مجموعها جاهلية، إلا أنها قائمة على شيء من التنوع وتعرض خصائص متغايرة· وتصنف هذه المجتمعات حسب شدة المقاييس الجاهلية فيها وضعفها ·
المقاييس التي يتم تقييم الأشخاص من خلالها
في المجتمع ''الجاهلي ''
''التقوى'' هي المقياس الذي يتميز به أفراد المجتمع المؤمن، نزولاً على قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ''إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا···''
الترمذي -
أما في المجتمع الجاهلي فالمال هو المقياس الذي يتميز به الأفراد كل عن الآخر· ولهذا السبب تظهر إنحرافات فكرية في تلك المجتمعات :
- يُحترم الرجل الغني، مهما كان فاسداً، لأنه غني ·
- نتيجة لذلك يصدق ذلك الفاسد الغني أنه إنسان محترم ·
- بسبب إعطاء المجتمع قيمة خاصة للغني، يستشعر الفقير عدم الثقة بالنفس عندما يكون بين الأغنياء· وبالرغم من أن الفقير يشعر تماماً أنه متفوق على هذا الغني الذي يجلس بجواره بما فضل عليه من أخلاق، إلا أن نظرة المجتمع للأول وتبجيله له يجعل هذا الأخير عاجزاً عن التغلب على الشعور بالنقص ·
- في مجتمع الجاهلية، حيث يحكم المال كقيمة عليا، يسود الفساد الأخلاقي، ومن أشكال هذا الفساد الحرية وإساءة إستخدام السلطة، الذي يدخل حتى في أمور الحياة اليومية، وبما أن المال هو القيمة الأولى، فلا تهم الوسائل التي تسلك من أجل تحصيله، بل تصبح كلها مشروعة، بغض النظر عن مدى ظلمها وفسادها ·
قصة قارون في القرآن الكريم أبلغ تعبير عن قصة المال في المجتمع الجاهلي :
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِين وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . القصص 76-83 ·
ترسم لنا الآيات السابقة قارون والقوم الذين حسدوه على النعم التي كان يرفل بها كنماذج عن المجتمع الجاهلي· إنهم يعانون من نقص في إدراك حقيقة أنفسهم وما يملكون، إن ما يملكونه إنما هو ملك لله أنعم به عليهم، والله يرزق من يشاء· لقد ظن قارون أن الثروة التي يملكها إنما استحقها بسبب عظمته! إلا أن الحقيقة غير ذلك
- لأن الله عز وجل هو خالق كل شيء ، فهو المالك لكل شيء، وهذا يعني أن من يملك أي شيء لا يكون أكثر من وصي على هذه الممتلكات التي تعود في الواقع إلى الله الواحد ·
- إن النعم التي يسبغها الله عز وجل على الإنسان لا يسبغها عليه بسبب عظمته، أو لأنه يمتلك شيئاً هاماً، بل يسبغها عليه إما إمتحاناً أو عطاء، ما يُنتظر منه في المقابل هو الشكر والامتنان وليس التكبر على الله· وعندما تغيب هذه الحقيقة عن الذهن البشري، يفقد الإنسان حس الاستمتاع بهذه الثروة في الدنيا ولا يجني إلا الندم والخسران في الآخرة ·
- الثروة ليست للكنز ولا لكي يبخل الإنسان بها، يمنح الله عز وجل الثروة للإنسان لينفقها في سبيله· يخبرنا القرآن الكريم عن عاقبة من لا ينفق ماله كما أمره الله بقوله تعالى :
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير . آل عمران 180 ·
على الإنسان أن يكون حكيماً في إنفاقه لما أنعم الله به عليه ليحقق رضوان الله، دون الخوف من أن ينقص ماله أو ينضب· والقرآن الكريم يلفت انتباهنا لهذه النقطة ويقول لنا أن الشيطان يعدنا ''الفقر'' (البقرة 268) ولكنه يخبرنا أيضاً أن الله عز وجل يخلف على
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . سبأ 39 ·
تعكس قصة قارون الصفة العامة للمجتمع الجاهلي· ومن خلال نظرة فاحصة إلى هذه القصة نجد أن قارون إنما يمثل شخصية نموذجية من شخصيات المجتمع الجاهلي الثرية وذات الجاه ·
كذلك تكشف لنا القصة في أحد جوانيها عن أولئك الذين حسدوا قارون على المال والجاه الذي كان يرفل بهما، إنهم يعانون من العقلية الجاهلية نفسها التي تتجاهل أن الله هو المالك لكل شيء المعطي لكل شيء والمانع لكل شيء ·
المؤمنون الحقيقيون هم أولئك الذين يبتعدون عن هذه المفاهيم الجاهلية ·
- يدرك المؤمنون أن قارون ليس محط حسد وإنما محط شفقة لأن المال بالنسبة لهم ليس معياراً من جهة، وأن الله هو المعطي المانع من جهة أخرى ·
- إنهم يعرفون منذ البداية ما اكتشفه قوم قارون الجاهليون فيما بعد، فلم ينتظروا حتى يخسف الله به الأرض ليقولوا ''ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ''·
وتنقل لنا سورة الكهف مثالاً مشابهاً من خلال قصة صاحب الجنتين· هذه القصة تبين لنا الفرق بين صاحب المال والجاه، وبين المؤمن الذي يعبد الله حق عبادته :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا . الكهف 32-44 ·
قادة المجتمعات التي يحكم فيها المال كمقياس
في كل قصة من قصص القرآن تقريبا يذكر الله عز وجل لنا الأقوام الذين ياتي المسلمون لهم بالرسالة ليبلغوها لهم· إلا أن البلاغ لم يصلحهم ولم يهدهم سبيلاً، بل زادهم تكبراً وعلواً وظلماً للمؤمنين· والقرآن الكريم يعطينا دائماً وصفا لهؤلاء عند عرضه لقصص الرسل ·
وفي معظم الأحيان يصف القرآن الكريم هذا الجزء من المجتمع بـ ''مترفيها'' و ''في ضلال بعيد '' ، ''يسعون في الأرض فساداً· إن الصفةالمشتركة فيما بينهم هي توظيفهم للقوة والمال في محاربة الله والإفساد في الأرض، يصف لنا القرآن الكريم هؤلاء القادة :
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُون . سبأ 34-35 ·
إنهم يتفاخرون بكثرة الأولاد التي زادتهم عناداً واستكباراً :
فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون . فصلت 15 ·
وبينما يناصب هؤلاء المؤمنين العداء، يستمد المؤمنون من هذا العداء القوة· إنهم لا يدينون بالعبودية لله ولا يستثمرون أموالهم في سبيله، ويكنون مشاعر الكراهية والبغضاء للمؤمنين، حتى أنهم يصلون في بعض الأحيان للتفكير بـ ''إخراجهم '':
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ .الأعراف 88 ·
ونماذج هؤلاء موجودة في مجتمعات هذا العصر· عندما يتفكر أحدنا بالخصائص الرئيسية ''للذين يركنون للحياة الدنيا'' كما يحكيها لنا القرآن يبدو الموضوع أكثر وضوحاً، لما تحمله صفات هؤلاء من تشابه مع صفات أولئك الذين يتبنون أفكار المجتمع الجاهلي ومقاييسه· ويطلق على هذا الجزء من المجتمع لقب ''المجتمع المخملي'' وهو موجود في كل مكان من العالم تقريباً ·
ويعيش أفراد هذا الجزء من المجتمع الذين يتمتعون بمستوى معيشي أعلى بكثير من المستوى العادي حياة مغرقة في الفساد· ( بالطبع يوجد أشخاص جيدون في هذه الطبقة الإجتماعية تماماً كما يوجد أشخاص سيئين)· ومن مظاهر هذه المجتمعات الحفلات الماجنة التي يرتبونها في الحانات أو في المنازل، والعروض الفاسدة، والشبان الذين دمرتهم المخدرات وهم في مقتبل العمر، والإنحلال الأخلاقي الذي يبعد الناس عن الالتزام الأخلاقي وعن الأمانة والثقة، والشراب المفرط، والبذخ والترف ، كل هذه المظاهر تبدو وكأنها ''طبيعية''· وفي ظل هذه الأجواء التي تلفها شرعية التقدم والعصرية يتم فرض الانحرافات عن الفطرة والفساد الأخلاقي على الشعوب ·
إن بعض أفراد هذه المجتمعات يحملون الصفات التي عرضها لنا القرآن الكريم في وصفه لأمثالهم، فمنهم من يمارس اللواط، شأن قوم لوط، ومنهم من يخسر الميزان، شأن قوم مدين، ومنهم من يستهزئ بالمؤمنين ويسخر منهم، شأن قوم نوح، والكثير منهم يتعاملون بالربا، شأن بني إسرائيل ·
إن هؤلاء ، باعتبارهم لا يملكون أي صفة ن الصفات الحميدة سوى حياة البذخ التي يعيشونها، يعيشون حياة ملؤها الفساد، بينما تسعى الطبقات الفقيرة والمتوسطة على رزقها بالوسائل والطرق المشروعة وغالباً ما يكلفها هذا الكثير من الجهد والمشقة· إن أولئك الأثرياء بحياتهم الصاخبة التي ينفقون فيها في الليلة الواحدة ما يفوق راتب فرد واحد من تلك الطبقة الكادحة، يسببون ضرراً معنوياً كبيراً في المجتمع ·
ولا ننسى النهاية التي تنتظر أولئك المترفين إذا لم يتوبوا إلى الله ويعودوا إلى جادة الصواب ·
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنصَرُونَ . المؤمنون 64-65 .
القيم في مجتمع الجاهلية
تقوم الأخلاق الإيمانية التي يتحلى بها المؤمنون على خشية الله وابتغاء رضوانه، وبما أن أفراد المجتمع الجاهلي لا يعرفون ما هي التقوى ، فإنهم يعيشون بأخلاق منحرفة ومشوهة ··
فالمجتمع ''الجاهلي'' لا يدرك قدرة الله المطلقة ورقابته الدائمة، لأن القيم والأخلاق التي يبنون عليها مجتمعهم تعتمد على '' ماذا يقول الناس عن هذا؟'' هذا المفهوم يسمح لهم بممارسة الفساد الأخلاقي غير المسموح في جو من السرية· وهكذا يسبغون الشرعية على هذه الممارسات بطريقة جديدة ·
على سبيل المثال، يمارس العديد من أفراد هذا المجتمع ''الجاهلي'' اللواط الذي يعتبر عملاً غير أخلاقي· إلا أن هؤلاء الذين يمارسونه لا يجرؤون على الاعتراف بممارستهم هذه، ومع ذلك لا يتوقفون عنها شريطة أن لا يسمع بهم أو يراهم أحد ·
من الممكن مشاهدة أشكال مختلفة من السلوكيات الحياتية المنحرفة في المجتمعات الجاهلية ·
الرغبة في العيش الخالد
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون . الجمعة 8 ·
يتصرف أفراد المجتمع الجاهلي، الذين لا يعون الوجود الإلهي والدار الآخرة، وكأنهم يعيشون أبداً· وفي هذه المجتمعات تعتبر كلمة ''الموت'' من الكلمات التي يجب أن لا يتلفظ بها· وعندما توضع الأهداف الكبيرة ينتفي وجود الموت من قاموسهم، إنهم يكدسون الثروات وكأن هذه الحياة قائمة دون نهاية· وبما أن حياة هؤلاء تقوم بشكل كامل على كل ما هو مادي، فإن كل من يذكر الموت يعتبر ''مفسد للبهجة ''·
هذه أحد التشوهات الفكرية التي تقوم عليها حياة أولئك الجاهلين· وبما أن ''كل نفس ذائقة الموت'' (آل عمران: 185)، فإن الحياة التي تقوم على المفهوم الجاهلي للموت لا بد وأن أسسها متعفنة هشة، وهنا لا بد وأن يعمل الإنسان عقله :
- إذا كان الإنسان سيخلد في هذه الدنيا، فلماذا تقتصر حياته على 60-70 سنة؟
- عليه إدراك أن حقيقة التفكير الجاهلي بأن تجنب التفكير بالموت يؤدي إلى إبعاده، لهو أشبه بالنعامة التي تخفي رأسها في التراب ·
- عليه أن يعرف بأن الله الذي خلقه من نطفة قادر على إعادة خلقه، ونفخ الروح فيه من جديد ·
- عليه أن يثق تماماً أن وعد الله الذي قطعه على نفسه في العديد من الآيات القرآنية ببعثه بعد الموت لا بد وأنه سيتحقق ·
- كل ما سبق سيؤدي به إلى تفهم حقيقة الموت في أنه ليس نوعاً من العدم، وإنما مرحلة إنتقالية إلى الدار الآخرة ·
- في هذه الحالة، سيدرك أيضاً أن الخوف من الموت أمر لا جدوى منه، فالخوف من الموت لا يحجبه ولا ينفيه، فهو قدر محتوم· كل إنسان سيموت في يوم قد قدر له، ينذر القرآن أولئك الذين يخشون الموت :
··· يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . آل عمران 154 ·
الموت بالنسبة للمؤمنين الذين عاشوا حياتهم لله وفي سبيل الله ليس إلا بوابة النجاة لنعيم خالد، أما بالنسبة لأولئك الذين ينكرون الله ويعلنون العصيان عليه، فهو كارثة لأنه بداية لعذاب خالد· يخبرنا القرآن الكريم أنه ما إن يحل الموت حتى يعلن الغافلون الندم حيث لا ينفع الندم :
وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . النساء 18 ·
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي , لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . المؤمنون 99-100 ·
إن كل إنسان لم يعش حياته في سبيل الله سيعاني من حالة الندم هذه إلا أن يشاء الله ·
تأمل أن الحياة قصيرة جداً، وأن هناك حياة حقيقية بعد هذه الحياة وأنك ستعيش حياة الخلد هذه في نعيم طالما أنك عشت حياتك الدنيوية لله :
- علينا أن نهتم بالحياة الآخرة التي سينقلنا الموت إليها أكثر من اهتمامنا بهذه الحياة الفانية التي نعيشها· من أجل هذا قال الله تعالى عن المؤمنين الذين يدركون هذه الحقيقة:
)إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (ص 46 ·
- من غير المجدي الاستغراق في هذه الحياة الدنيا والاغترار بزينتها والانغماس بها· فلا الأموال ولا الأولاد ولا القوة ولا السمعة ولا أي شيء من هذه الدنيا الفانية سيصحب الإنسان إلى القبر· إنه سينزل قبره مع قطعة قماش فقط، الكفن، ثم ما يلبث أن يفنى ذلك الجسد الذي غادره الروح ·
- إن ما يصحب الإنسان إلى الدار الآخرة هو عمله الصالح وعباداته، وهناك سيعوض الإنسان عن جماله وماله وكل النعم الدنيوية بأفضل منها في خلود دائم ·
- الذين يخفقون في إدراك هذه الحقيقة ويبخلون بمالهم وأنفسهم على الله إنما يجلبون على أنفسهم الهلاك في الدار الآخرة :
هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ . محمد 38 ·
إن أولئك الذين لا يعترفون بهذه الحقيقة يصبحون متعلقين بهذه الحياة الدنيا أشد التعلق لتحقيق ''الحياة الخالدة'' التي يتصورونها، والتي من أجلها يسعون ''لترك ما يخلد أسمهم في هذه الحياة الدنيا بحيث يبقى الناس يتذكرونهم''وهذه الرغبة تظهر بعدة أشكال :
- البعض يترك وراءه ''أعمالاً فنية أو عمرانية '' مما يجعل ''اسمه مخلداً'' ،على هذا يمثل لنا القرآن الكريم
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون . الشعراء 128-129 ·
- ومن أكثر مظاهر تطبيق هذه الفكرة هو الرغبة في ''الذرية'' أو ''الأولاد''· فالذين لا يعلقون أملاً على الدار الآخرة يرغبون في أن يتركوا وراءهم أولاداً يحملون أسماءهم، ولذلك تفضل معظم العائلات أن تكون ذريتهم من الذكور· من آيات القرآن الكريم المعبرة جداً عن هذا الموضوع قوله تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ . الحديد 20 ·
من المؤكد أنه من المحمود أن نكثر ذريتنا ونربيها على عبادة الله والأخلاق الحميدة، إلا أن أفراد المجتمع الجاهلي لا يتكاثرون ولا يربون أولادهم في سبيل هذا الهدف، وإنما بهدف تكريس اسمهم كنوع من الاستكبار في الأرض ·
إذا ما عدنا إلى القرآن الكريم، نجد أن المؤمنين يسألون الله الأولاد فقط من أجل تنشئتهم في سبيل الله؛ كما أن معظم الرسل قضوا حياتهم دون أولاد، وبعضهم سأل الله عز وجل الأولاد عندما كبر وفي سبيل ضمان استمرارية الرسالة التي حملوا مسؤولية تبليغها ·
من أجل هذا يكون ''الأولاد'' من سبل تحقيق الخلافة في الأرض ، وعلى المؤمن أن لا ينسى قول الرسول الكريم ''ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث···وولد صالح يدعو له''· إنه لخطأ جسيم أن يكون إنجاب الأولاد في سبيل حفظ الإسم على وجه الأرض ·
فهم الدين في مجتمع الجاهلية
إن هؤلاء الأفراد الذين أتينا على وصفهم، والذين لا يقدرون الله حق قدره، قد فسروا الدين من خلال منطقهم الجاهلي، وبناء على معتقداتهم المشوهة·والنتيجة هي فهم مشوه ومنحرف عن الدين الذي جاء به الإسلام والقرآن· فالقرآن يصف لنا الدين الذي جاء به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه: ) ··· وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ··· ( (الأعراف 157) ، كما يصفه بأنه سهلاً لاحرج فيه :
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ··· الحج 78 ·
يدعو الله عز وجل الناس إلى تصحيح معتقداتهم الخاطئة وأساليب حياتهم المنحرفة، والإقبال على الحياة التي شرعها الله لهم ·
عندما يتعامى المجتمع الجاهلي عن فهم الرسالة الحقيقية للقرآن الكريم، فإنه يخلق ديناً جديداً ·
من خصائص هذا الدين المشوه :
- يأمر الدين الذي جاء به القرآن الكريم الناس أن يعبدوا الله وحده ويحرروا نفسهم من عبودية كل ما سواه· وعندما يتحرر الإنسان من عبودية الأرض والسعي لمرضاة العباد، تقتصر مسؤوليته على السعي لمرضاة رب العباد· إلا أن أفراد المجتمع الجاهلي لا يعتنقون هذا المفهوم ولا يفهمون الدين من هذا المنطلق بحيث يدينون بالعبودية لله وحده ويتحررون من عبودية من سواه، بل يستبدلون هذا بالعبودية ''للحالة الاجتماعية''، وهذا ما يبقيهم تحت الضغط الاجتماعي· هذا المفهوم يعني أن يكرس الناس اهتمامهم إلى ''ما يقوله الناس'' بالدرجة الأولى - وهذا أبعد ما يكون عن الدين الحقيقي ·
- مع هذا المفهوم الخاطئ يحدد المجتمع الجاهلي مفهوم الدين بالتقاليد· هنا تتداخل العوامل الثقافية والعادات المحلية مع الدين، وتنحرف ''التقوى'' لتصبح ''عادات الآباء''· إلا أن القرآن الكريم وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم لا تلتقي مع هذه المفاهيم بأي شكل من الأشكال· يأمر الله عز وجل الإنسان أن يلتزم بحدود قرآنه الكريم وسنة رسوله· وعلى مدار التاريخ كان الرسل يخوضون معاركهم مع أقوامهم الذين يجانبون الحقيقة دائماً ويصرون على ''اتباع ملة آبائهم''· يقول تعالى :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ . البقرة 170 ·
ونجد هذه الفكرة أيضاً في سورة المائدة 104 , الأنعام 91 , الأعراف 28 وفي العديد من الآيات أيضاً ·
- ومع هذا الدين الجديد، دين الحالة الإجتماعية، ابتعد هؤلاء الجاهليون بالدين عن العقل· على المسلم، كما يخبرنا القرآن، أن يكون حكيماً، عقلانياً· فالمؤمنون مطالبون دائماً بالتفكير والتأمل ليشهدوا آيات الله عز وجل· الإيمان والحكمة أمران متلازمان · فالإيمان ينبع من التفكر والحكمة، والحكمة تتفجر من نبع الإيمان· إلا أن الجاهلين يعتقدون أن الإيمان ينبع من ''التقاليد'' فحسب· إنهم يعتقدون أن الالتزام الأعمى بالعادات والتقاليد هو الإيمان، في حين أن الحكمة هي التي تقود إلى إدراك الوجود الإلهي وصفاته· لذلك يكون الإيمان في المجتمع الجاهلي ضعيفاً· ومن أجل الحفاظ على هذا الوهن الإيماني ، يسلكون طريقاً منحرفاً آخر يتلخص بتكريس مفهوم: ''الاستغراق في المواضيع الدينية يضر بالإيمان ''·
- هذه العقلية تجد من المفيد إدخال مفاهيم جديدة على الدين لتجعل الحرام حلالاً ·
يخبرنا القرآن الكريم عن هذه العقلية التي تجعل من الحلال حراماً والحرام حلالاً بقوله عز وجل :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . الأعراف 32-33
· وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِين . الأنعام 119 ·
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين . المائدة 87 ·
- نتيجة لهذه العقلية المنحرفة نراهم يحسبون أن دين الإسلام جاء للعرب البدو خاصة، مع أن الحقيقة عكس ذلك تماماً· لقد كان الرسل دائماً هم أكثر الناس تحضراً في عصرهم، فكانوا مثقفين وعارفين بكل فنون الحياة، فسيدنا سليمان(ع) مع قصره الذي بناه ولم يكن له مثيل لهو أبرز مثال على هذا كما يرويه لنا القرآن الكريم ·
المسلم لا يلتزم بالثقافات التقليدية أو القيم الوطنية· فالمسلم لا يحد نفسه بوطن واحد وثقافة واحدة· أن تكون مسلماً يعني أن تكون عبداً لله وأن تكون شاكراً لأنعمه· أن تكون مسلماً يعني أن تجاهد لتصل إلى الله وتتقرب إليه، وأن تصبح إنساناً بشخصية نبيلة· الإسلام دين عالمي،والمسلم الحقيقي هو ذلك الذي يسعى للفوز بمرضاة الله العظيم، ويبتعد عن كل الماديات والروحانيات التي تبتعد به عن صراطه المستقيم · هذا هو المسلم ·
|