الأرض: كوكب لا نظير له
فكر قليلاً عزيزي القارئ فيما هو ضروري و أساسي لحياة الإنسان، ويمكن أن نحصي العديد من هذه الضروريات كالأكسجين والماء والشّمس والغلاف الجوي والحيوانات ...، وضروريات أخرى قد لا تتذكرونها الآن ولكنها موجودة كلها بصورة طبيعية في هذا الكوكب. وهذه العوامل الضرورية تمر بأذهاننا في حالة ما إذا فكرنا تفكيراً سطحياً، و لكننا لو تعمقنا في التفكير لوجدنا أنّ هذه العوامل مرتبطة بعضها مع بعض ارتباطاً وثيقاً وفق موازين دقيقة. وإن هذه العوامل الحياتية الموجودة في هذا الكوكب كالكائنات الحيوانية والنباتات والسماء والبحار مخلوقة و مسخرة لحياة الإنسان على أحسن صورة.
إن كوكبنا كوكب الأرض جزء من المجموعة الشمسية، وإلى جانب كوكبنا توجد كواكب سيارة أخرى، ولكن كوكبنا يُعَدُّ الوحيد من بينها من ناحية ملاءمته للحياة، فهو يتميز بميزات معينة جعلته يقوم بهذه الوظيفة، مثل مقدار بعده عن الشمس وسرعة دورانه حول محوره، وميل هذا المحور، وتضاريسه الأرضية.
إنّ هذه العوامل مستقلة بعضها عن بعض، ولكنها جميعاً تساهم في جعل درجة حرارته ملائمة لنشوء الحياة عليه، فضلاً عن أن هذه الحرارة تحافظ على توازن دائم. وبالإضافة إلى هذه العوامل هناك عامل تركيب الغلاف الجوي، وكتلة الأرض التي هي بالمقدار الملائم تماماً للحياة. فإذن: الضّوء القادم إلينا من الشّمس و الماء الذي نشربه والأطعمة التي نتناولها، كل هذه المقوّمات ملائمة تماماً لحياة الإنسان.
وبإيجاز: فإن جميع الأبحاث التي تجرى بشأن كوكب الأرض تثبت لنا أن هذا الكوكب قد صمم خصوصاً ليلائم حياة الإنسان. ويُعَدُّ كوكب المريخ من أكثر الكواكب شبهاً بالأرض، ولكنّه جافّ وميّت، ولا يمكن إجراء مقارنة بينه وبين الأرض.
ولمعرفة أهمية الظروف الموجودة في كوكبنا من ناحية ملاءمتها لعيش الإنسان يجب إلقاء نظرة ولو سريعة على خصائص باقي الكواكب السيارة في مجموعتنا الشمسية. ولنأخذ كمثال المريخ الذي تحدثت عنه كثيراً وسائل الإعلام وعن خصائصه الشبيهة بالأرض.
فالغلاف الجوي لهذا الكوكب خليط فيه نسبة عالية من غاز ثاني أكسيد الكربون السام، ولا يوجد على سطحه ماء إطلاقاً. ويرى في الصّورة الجانبية كوكب المريخ وقد ظهرت على سطحه الفوهات البركانية العملاقة التي تشكلت نتيجة اصطدام النيازك الكبيرة جداً.
ويتميز هذا الكوكب بهبوب رياح عاتية وعواصف رملية تستمر شهوراً عديدة. و درجة حرارة المريخ (53-) . وكوكب هذه ظروفه، لا يمكن أن يكون ملائماً لنشوء الحياة عليه. وبعد هذه المقارنة البسيطة تتضح لنا أهمية الظروف التي تميز الكوكب الذي نعيش عليه .
إنّه الله الخلاق العليم الذي خلق الكون و النجوم و الكواكب و الجبال و البحار و كل شيء بهذا الإبداع المعجز، وهو الذي منح الحياة للكائنات، وخلق كل شيء من العدم لأنّه ذو القوة المتين. وهو الذي سخر الكائنات لخدمة الإنسان بعلمه و حكمته، فعلى الإنسان المدرك لهذه الحقائق أن يعمل على كسب مرضاة الله عز و جل، وتقدير نعمه حق قدرها، قال تعالى:
{ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } النحل: 17-18 .
التّصميم الخاص لبناء الغلاف الجوّي
ربما كان التنفس لبعض الناس هو أخذ الشهيق و إطلاق الزفير فحسب، ولكنّ الحقيقة أن هذه العملية مصممة حسب نظام خارق رائع جداً، فالتنفس لا يتطلب من الإنسان بذل أي جهد يذكر، وأغلب الناس بل ربما جميعهم لا يلقون بالاً لهذا الموضوع. فالإنسان يبدأ بالتنفس من لحظة ولادته حتى مماته؛ لأن الظروف الخارجية أو الداخلية (داخل جسم الإنسان) جعلت لكي يتنفس الإنسان بأسهل صورة ممكنة.
وقبل كل شيء نودّ أن نوضح أنّ الغلاف الجوي يحتوي على نسب معينة من الغازات متوازنة فيما بينها، ويجب أن يستمر هذا التوازن حتى تتم عملية التنفس لدى الإنسان بشكل طبيعي، وأيّ تغيير مهما كان طفيفاً في هذا التوازن يؤدّي إلى نتائج خطيرة على حياة الإنسان وربما أدى إلى الموت. ولكن هذه التغييرات لا تحدث في العادة؛ لأنّ الغلاف الجوي مصمّم وفق بناء خاص جداً وملائم للحياة، وهو خليط خارق يؤدّي مهمّته على أكمل وجه.
فالغلاف الجوي للأرض يتألف من 77 % نيتروجين و 21 % أكسجين و 1 % ثاني أكسيد الكربون و غاز الأركون و غازات أخرى. ولنبدأ بالحديث عن أهم هذه الغازات وهو الأكسجين، فهذا الغاز مهم جداً؛ لأنّ الكائنات الحية تستخدمه في إنتاج الطاقة داخل أجسامها، ولهذا فهي في حاجة ماسّة إليه، و تتنفس للحصول عليه. أما نسبة الأكسجين الذي نتنفسه فهي ثابتة اعتماداً على موازين دقيقة للغاية.
ويتمّ تحقيق ثبات نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي من خلال دورة كاملة في الطبيعة. فالإنسان والحيوانات في حالة استهلاك دائم لهذا الغاز، وفي حالة إنتاج دائم لغاز ثاني أكسيد الكربون الذي يُعَدُّ ساماً بالنسبة إليها.
أما النباتات فعلى العكس من ذلك، تقوم باستهلاك ثاني أكسيد الكربون، وبذلك تلعب دوراً خطيراً في استمرار الحياة. وتنتج النباتات مليارات الأطنان من غاز الأكسجين يومياً، ثم يطرح إلى الغلاف الجوي.
و لو كان الإنسان والنباتات والحيوانات يقومون بالفعاليات الحيوية نفسها لانعدمت الحياة على هذا الكوكب. ولنفترض أن النباتات والحيوانات تقوم بإنتاج الأكسجين، ففي هذه الحالة يكون الغلاف الجوي قابلاً للاشتعال في كل لحظة وبسرعة كبيرة، فشرارة صغيرة تكفي لاشتعال حرائق هائلة. و في النهاية سيتحول هذا الكوكب إلى شعلة من النار مصحوبة بانفجار هائل.
ولو افترضنا العكس، أي أن تنتج النباتات والحيوانات غاز ثاني أكسيد الكربون ففي تلك الحالة تقل نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي بسرعة كبيرة، وتصاب جميع الكائنات بالاختناق لصعوبة التنفس و بالتالي ينتج عن ذلك الموت المحتم.
كل هذه الأدلة تشير إلى أنّ الغلاف الجوّي مخلوق من قبل الله سبحانه وتعالى وبصورة تجعله ملائماً لحياة الإنسان، أي إنّ الكون لم يوجد اعتباطاً، فكل شيء فيه خلق بإتقان و دقة بقدرة الله تعالى التي لا حد لها.
الجبال و دورها في توطيد القشرة الأرضية
إنّ الأرض التي نمشي عليها أو التي نبني عليها مساكننا هي في الحقيقة طبقة رقيقة نسبياً من الأرض تدعى بـ”القشرة”، وهذه القشرة تسبح فوق طبقة أسمها ((الصهارة أو الماغما))ولو لم تكن هناك ضوابط مهمتها السّيطرة على جميع أنواع الحركة على هذه القشرة .
وتُعَدُّ الجبال من بين هذه الضّوابط، فلولا الجبال لحدثت هزات و زلازل بشكل دائم على الأرض، وبالتّالي تكون غير ملائمة أبداً للحياة. فالجبال و امتداداتها في عمق الأرض السحيق تمتصّ إلى حدّ كبير الاهتزازات الحاصلة على سطحها.
و نشأت الجبال بفعل تحرّك الطبقات الكبيرة المؤلفة لقشرة الأرض واصطدامها بعضها مع بعض، وإذا اصطدمت طبقتان من هذه الطبقات تكون الطبقة الأكثر متانة تحت الطبقة الأقل متانة، ويحدث في الطّبقة الفوقيّة تحدّب و بذلك تنشأ الجبال. أما الطبقة السفلية فتتوجه نحو عمق سحيق وتمتدّ استطالاتها نحو العمق، أي إن الجبال التي نراها شاهقة الارتفاع لها من الاستطالات الجذرية ما يعادل جزأها الظاهر فوق الأرض، وهذا يعني أن الجبال مغروزة غرزاً في قشرة الأرض وباتجاه العمق.
والجبال بهذه الخصائص تُعَدُّ مناطق التحام بين الطبقات السّطحية للأرض، وبهذا الشكل تكون الجبال عاملاً يشدّ من بنيان القشرة الأرضية ويمنعها من الانزلاق فوق طبقة الـ “الماغما”. و يمكن لنا أن نشبّه الجبال بالمسامير التي تربط قطع الخشب بعضها مع بعض. والجبال بهذه الخاصية، تستطيع أن تثبت حركة القشرة الأرضية و تمتص جميع الاهتزازات التي تحدث فيها.
وهذه الجبال التي تبدو لنا عملاقة في حجمها و شكلها لها أهمية كبيرة من ناحية الحفاظ على الموازين الأخرى في الطبيعة وخصوصاً في التوازن الحراري للأرض. فالحرارة تتوزع بصورة متوازنة نتيجة وجود الجبال كعامل مؤثر في هذا التوازن.
هناك فارق حراري بين خط الاستواء و القطبين يصل مداه إلى 100 درجة مئوية، و لو وجد مثل هذا الفارق الحراري على سطح قليل الانحناءات لحدثت رياح رهيبة تصل سرعتها إلى 1000 كم/سا و أحالت الدنيا إلى جحيم لا يطاق، ولكن هناك موانع انحنائية تهدئ من سرعة الرياح المتولدة من هذا الفارق الحراري.
إن هذه الموانع الانحنائية تتمثل في السّلاسل الجبلية التي تبدأ في الصين، وتدعى بسلسلة جبال الهمالايا، وتمتد إلى الأناضول و تدعى بسلسلة جبال طوروس، وتستمر إلى أوربا، وتدعى بسلسلة جبال الألب وحتى المحيط الأطلسي غرباً والمحيط الهادي شرقاً.
فالجبال تُعَدُّ آية من آيات الله الكثيرة الموجودة في كل مكان. فالأرض قد خلقها الله بهذه الآيات البينات كي تكون ملائمة لحياة الإنسان. وعلى الإنسان الذي يشاهد هذه الآيات كل يوم ويتأمل فيها أن يظهر العبودية والطاعة لله رب العالمين. فالإنسان محتاج إلى رحمة الله ونعمه في كل لحظة، أما الله سبحانه و تعالى فغني عن العالمين.
المحيطات و دورها في إحداث التوازن
إنّ الإنسان اعتاد على وجود الماء، واعتاد على أن يكون الماء هو الحياة بالنسبة إليه، فالأمطار والبحار والأنهار والشّلالات وحتّى الماء الذي نراه متدفقاً من الحنفيات والصّنابير المستخدمة في المنازل كلها شيء عادي بالنسبة إلى الإنسان، ولا يكلّف نفسه التفكير في أهميّة الماء الذي يشكل جزءاً كبيراً من كوكبنا. فالماء وخصوصاً ما يشرب منه له أهمية قصوى في حياتنا.
إنّ الماء الذي يُعَدُّ أساساً للحياة ينعدم وجوده في ثلاثة وستّين جرماً سماوياً موجوداً في مجموعتنا الشمسية، أما الأرض فثلاثة أرباعها تتألف من الماء. فالأرض تحتوي على مسطحات مائية كبيرة جداً مثل المحيطات، إضافة إلى الأنهار والبحيرات باختلاف خصائصها. وهذه المياه الموجودة ليست كلها عذبة صالحة للشرب، وليست جميعها أيضاً مالحة لا تصلح للشّرب، ولكن ثمّة توازن مائي دقيق يمكّن الكائنات الحيّة جميعها من شرب الماء و المحافظة على حياتها ووجودها.
فالكائنات الحية بمختلف أنواعها التي يربو عددها على الملايين تتواصل في الحياة بفضل وجود الماء. والماء مهمّ أيضاً في استمرار التوازنات المختلفة في كوكبنا، وعلى سبيل المثال: تتشكل السّحب والغيوم نتيجة التبخّر الحاصل من المسطّحات المائية الكبيرة، ويمتاز الماء بحرارة نوعية عالية، أي: يستطيع أن يمتص كمية كبيرة من الحرارة و يحتفظ بها. وبهذا الشّكل تلعب المسطّحات المائية الكبيرة دوراً فعّالاً في الحفاظ على التّوازن الحراري للأرض، ولهذا السبب فإنّ المناطق الساحلية تمتاز بفارق حراري ضئيل بين الليل و النهار، وبذلك تصبح هذه المناطق ملائمة لحياة الإنسان.
إنّ هذه المحيطات التي صوّرت من فوق، وتبدو صورتها إلى أعلى اليمين لها أهمية كبيرة جداً في حياة الإنسان؛ لأنّ هذه المحيطات تعكس أشعة الشمس أقل مما تعكسها اليابسة، وهكذا تكتسب طاقة شمسية أكبر مما تكتسبه اليابسة. ولكنّ هذه الطاقة الحرارية تتميز بتوزعها بشكل متوازن أفضل من توزعها على اليابسة. وهذا التوازن الحراري للمحيطات يؤدي إلى الحد من الحرارة الشديدة في المناطق الاستوائية، والحد كذلك من البرودة الشديدة في المياه القطبية والحيلولة دون تجمدها بشكل كامل، إضافة إلى أن هذه المحيطات تعد بمثابة مخازن كيميائية ضخمة لغاز ثاني أكسيد الكربون.
إن شفافية الماء تساعد الطحالب الموجودة في المحيطات على القيام بعملية التركيب الضوئي، كذلك يمتاز الماء بالتمدد عند التجمّد، وهو بذلك يُعَدُّ واحداً من المواد القليلة التي تسلك هذا السلوك الغريب. وبفضل هذه الخاصية تتجمّد المحيطات أو البحيرات “أو أي مسطح مائي آخر” من فوق إلى تحت.
وبعد هذا الاستعراض الموجز لبعض الصفات الكيميائية و الفيزيائية للماء، يتضح لنا أنّ الماء مخلوق، وبهذه الخصائص بالذّات كي يكون ملائماً لحياة الإنسان، وليس مصادفة أن يحتوي كوكبنا على الماء، وعلى هذه المسطحات المائية دون باقي الكواكب الأخرى. فكوكب الأرض الذي خلق بالخصائص التي تلائم نمط حياة الإنسان يحتوي على الماء الذي خلق بدوره أيضاً بالخصائص الملائمة لحياة هذا الإنسان. والله تعالى هو الذي خلق الماء كما خلق باقي نعمه التي أنعم بها على الإنسان، فتبارك الله أحسن الخالقين.
{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُم مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} النحل: 10 . |