الأديان المزيفة التي صنعتها المادية
مثلما ذكرنا من قبل، فالمادية حركة فكرية خطيرة تعمل على تحطيم القيم الروحيّة وإبعاد الشّعوب عن الدّين. ولا زالت غالبية كبيرة من مجتمعاتنا اليوم تحت تأثير التفكير المادي، سواء كان ذلك عن وعي ودراية أم عن غفلة وجهل. غير أن هناك مسألة أخرى تستحق الذّكر، وهي أن التمسك بالنظرة المادية لا تعني بالضرورة أنها تحمل في طيها الرّفض للوجود الإلهي. فهناك عدد كبير من الناس يؤمنون بالوجود الإلهي ولكنهم لازالوا متمسكين بالنظرة المادية. ولقد وردت في القرآن العديد من الآيات تحدثنا عن مثل هؤلاء الناس:
(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) (سورة يونس: 31-32).
(قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (سورة المؤمنون: 84-90).
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (سورة الزمر: 38)
وكما هو وارد في الآيات السابقة، فهؤلاء الناس يدّعون أنهم يؤمنون بالله وبدينه، غير أنهم فشلوا في إظهار التعظيم الذي يستحقه الله عز وجل لما له من نعم، بل وجعلوا له أندادًا. وهؤلاء هم أتباع الأديان الباطلة التي تكونت بسبب التمسك بآراء بعيدة كل البعد عن الدين الحقّ. وكما كان الأمر في الماضي، فهناك اليوم العديد ممن يتمسكون بالدّيانات الموضوعة ويبتعدون عن الدّين الحق الذي أساسه الوحي الإلهي.
وبعيداً عن هذه الفئة، فهناك أيضاً بعض الناس الذين ينكرون بصراحة الوجود الإلهي ويرفضون الاعتراف بالآخرة. وهم يبذلون قصارى جهدهم للتأثير على الآخرين وضمّهم إلى صفوفهم. وهذه الوسائل التي وظّفها الماديون في المجتمعات التي يعترف فيها الناس بالوجود الإلهي ولكنّهم يقصّرون في تقدير الله حق قدره، تتضمن مفهوماً تقليدياً للدّين يختلف عن تلك الوسائل التي يوظّفونها في المجتمعات التي هي أكثر ميلاً للإلحاد. فالماديون يجرّون النّاس بعيداً عن الدّين الموحى به لرسل الله تعالى عن طريق ابتداع أديان أخرى، وهي أديان تُكيّف وفقًا لكلّ مجتمع وتُمزج بالإيحاءات المنبثقة من الاعتقاد بأنّ المادة هي الحقيقه المجردة.
وبالطبع فليس من المتوقع أن يناضلَ هؤلاء الذين يتمسكون بالدّين، بعيداً عن تعاليمه الأصلية، ضدّ مذاهب الإنكار، ولن يكون بوسعهم وصفها بأنها باطلة وغير مجدية، فالاعتقاد الدّيني الخاطئ، سواء كان عن قصد عن غير قصد، سوف يوفّر المزيد من الدّعم لمذاهب الإنكار والإلحاد. ولهذا السّبب، إذا أراد أحد ما الدّخول في مناظرة جدّية مع اللادينيين فيجب عليه التزود بالمعرفة الدقيقة عن دين الله عز وجلّ والفهم الصحيح لجميع جوانب الأديان الباطلة المقامة على أسس مادّية حتى يستطيع تقويضها عن علم.
وفي الصّفحات القادمة سوف نتوقف عند بعض خصائص دينين من الأديان الكافرة، ونعني بهما المادية والداروينية، كما سوف ندرس الفوارق الموجودة بين هذين الدينين وبين العقائد الوثنية التي تحدث عنها القرآن الكريم.
أصنام القرن العشرين
يخبرنا الله عز وجل في القرآن الكريم عن هؤلاء النّاس الذين يعبدون غير الله عزّ وجل ويتخذون من الأوثان آلهة، ويبين لنا الله عزّ وجل بالتفصيل جهاد رسله مع هؤلاء الناس. وهناك العديد من الناس يظنون أن المجتمعات في الماضي كانت تعبد الأوثان نظراً إلى بدائية أسلوبها في الحياة، ومن هنا كانت لديهم هذه النظرة الدّينية. بل هم يفسرون عكوف بعض القبائل الإفريقية على عبادة الطواطم على أنه دليل على بدائيّتها.
غير أنه عند التأمل في عقائد المجتمعات التي تعبد الأصنام والتي ذكرها القرآن الكريم، وعند النظر في تفكيرها يتضح أ ثمة تشابها كبيرا بين هذه المجتمعات وبين قسم كبير من المجتمعات الموجودة اليوم. فمثلما اتخذت هذه المجتمعات لنفسها آلهة من الجماد تعبدها مثل الخشب أو الحجر أو غير ذلك، فهناك في عصرنا اليوم أيضا أناس جعلوا لأنفسهم آلهة من الجمادات يعبدونها. وقبل أن نمر إلى عقد مقارنة بين عبادة الأصنام في الماضي وبين عدد من المفاهيم الموجودة اليوم نعرض بعض المعلومات التي ذكرها القرآن الكريم عن مجتمعات عبادة الأوثان.
ومن بين المجتمعات الوثنية التي تحدث عنها القرآن الكريم نجد قوم النبي إبراهيم عليه السلام:
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً) (سورة مريم: 42)
(إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (سورة الأنبياء: 52-54)
مثلما بينت الآية الكريم، فقد عكف والد نبي الله إبراهيم وقومه على عبادة تماثيل صنعوها بأيديهم، لا تنفع ولا تضر ولا قدرة لها على فعل شيء. فاعتبار شيء ما إلها يعني أنه قادر على الخلق والرزق والشفاء وقادر على إنزال العقاب وقادر على إيجاد ما لم يكن موجودا، فهذه هي خصائص الإله المعبود. وقد كان عبدة الأوثان في عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام يعتقدون أن التماثيل التي صنعوها بأيديهم تمتلك مثل هذه الخصائص، ولذلك كانوا يقدمون لها القرابين ويعبدونها. وفي الأسطر اللاحقة سوف نبين التشابه الغريب الذي يوجد بين تماثيل هذه الأقوام وبين بعض أنظمة التفكير في عصرنا الحاضر.
العقائد الوثنية المسيطرة على المجتمعات المعاصرة
لقد ادعى الوثنيون في الماضي أن التماثيل الخرساء المنحوتة من الحجر أو الشجر والعاجزة عن فعل أي شيء تمتلك قوة خاصة. بل إنهم زعموا أن هذه التماثيل هي التي خلقت الكون كله، وأن حركة الكون تتم وفقا لإرادتها. ولهذا السبب قدموا لها القرابين والتمسوا منها أن تمدهم بالصحة والرزق.
وفي ضوء هذه الحقائق، فمن الواضح أن بعض الناس في أيامنا هذه يمتلكون خصائص هذا التفكير الوثني نفسه. فالماديون والتطوريّون شأنهم شأن عبدة الأوثان في الماضي، فإذا كان عبدة التماثيل يرون أن هذه المعبودات قادرة على خلق الكون وخلق الموجودات، فإن الماديين والوثنيين يعتقدون أن المواد غير الحية المتكونة من ذرات غير عاقلة تمتلك إرادة وقدرة على الفعل. وهم يدّعون أن هذه المواد غير الحية اجتمعت عن طريق المصادفة ونظمت نفسها بنفسها، وفي النهاية استطاعت أن توجد هذه الكائنات الحية التي هي غاية في التعقيد والكمال.
وبالإضافة إلى ذلك، هم يرون أن جميع الحوادث في الكون مرجعها إلى "الطبيعة" المتكونة من ذرات غير حية وغير واعية. وكمثال على ذلك، فالماديون أو التطوريون يرون أن الأعاصير والزلازل تحدث بقرار تتخذه "الطبيعة". وعند تفسيرهم لهذه الظواهر يستخدمون مفاهيم مثل "غضب الطبيعة" أو " معجزة الطبيعة". غير أنهم لم يستطيعوا أن يبيّنوا ما هي هذه القوة التي يطلقون عليها اسم "الطبيعة" ولم يستطيعوا أيضا أن يبينوا مصدر هذه القوة التي يتحدثون عنها. فالعناصر التي يسمّونها " الطبيعة الأم" أو"الطبيعة" في حقيقة الأمر لا تختلف عن آلهة المجتمعات الوثنية في الماضي والتي كانت تسمى "الأرض الأم" أو"آلهة الخصب". فلم تتغير سوى الرموز، وقد اتخذوا المواد غير الحية التي لا ترى بالعين المجردة والمصادفات إلها وظنوا أنها قادرة على الخلق.
ويشرح بيير بول جراسييه (Pierre Paul Grasse )، وهو فرنسي الأصل متخصص في علم الحيوان ومؤيد حميم لنظرية التطور، الآلهة الخفية للمادّيين ومعتقدي نظرية التطور كالآتي:
"... لقد أصبحت المصادفة إلها يعبد سرًّا تحت غطاء الإلحاد".
إنّ إسناد القدرة على الخلق لمواد غيرحية وذرات غير واعيه هو بالتأكيد قصور خطير في المنطق. ومثلما اعتقد عبدة الأوثان أنّ الأوثان غير الحية أوجدت جميع الكائنات الحية، فإنّ الماديين ومعتنقي نظرية التطور اليوم يعتقدون بأنّ ا لمادة غير الحية نشأت عنها بشكل تصادفي كائنات حية. وذلك يعني أنّ المواد غير الحية هي كائنات لها عقل وإدراك وأنه يمكنها اتخاذ القرار والعمل وفقًا لهذا القرار. ومن هذا المنطلق، اعتبروا أنّ كل شئ إله.
وعلى سبيل المثال، يعتبر أنصار نظرية التطور أنّ الوردة التي تزهر بلونها الأحمر بعد أن كانت في تربه طينية إله، فهم يرون أنّ الوردة جاءت إلى الحياه بإرادتها أو أنّ العناصر غير الحية التي تُكوّن الوردة قامت عفويّا بشكل عفوي بتصميم الوردة. وقس على ذلك جميع الكائنات الحية الأخرى والنباتات مثل البرتقال والتفاح والفراولة والموز وشجرة العنب والورد والبطيخ والبقدونس والغزلان والأسود والفيلة والنمل والنحل والذباب والحيوانات المائية إلى غير ذلك... وباختصار، جميع الكائنات لها القدرة على خلق أنفسها بأنفسها. فهم يدعون أنّ جميع هذه الكائنات وملايين الكائنات الأخرى قد تطورت إلى ما هي عليه في الوقت الحاضر بإرادتها الخاصة ومن تلقاء نفسها.
وفي مثال آخر يدّعي أنصار التطور أنّ نحلة العسل، التي كانت من قبل كائنا حيّا آخر، قررت أن تصبح نحلة عسل في وقت ما من الزمن، ومن هنا بدأت في تشكيل تقنيات خاصة في جسمها قادرة على إنتاج العسل. كما أدّعوا أنّ الذباب كان في البداية لا يستطيع الطيران، ولكنّه بعد ذلك كوّن أجنحته بقدراته الذاتية ثم بدأ بعد ذلك في الطيران. كما أن هذا الذباب جهز نفسه بتقنيات الطيران الدّقيقة التي تعتبر أدق من التكنولوجيا الحديثة الموجودة في الطائرات وطائرات الهيلوكبتر اليوم.
ويمكن لأنصار نظرية التطور أن يقصّوا علينا عددا لا نهاية له من القصص المشابهة عن بلايين الكائنات الحية التي تعيش على الأرض، وكلها تشترك في نقطة واحدة مثيرة: وهي أنّ الذرات غير الحية التي تكّون الكائنات الحية أو "الطبيعة" لديها وعي وحكمة. فالمصطلحات مثل "الانتخاب الطبيعي" و"التزاوج العشوائي" و "العزلة الجغرافية" التي تضفي شيئا من المسحة العلمية تجمل العقيدة التي وضعها أنصار نظريّة التطور. فهم يزعمون أنّ المادة غير الحيّة في الطبيعة يمكن أن تشكّل بشكل عفويّ كائنات حية متقنة مثل: الموز والبرتقال والذباب والبقدونس والقطط والقرنفل والحوت والزرافات والنعامة والفراشة والعنكبوت والصبار واليوسفي والنملة والفيل ووردة البنفسج وغير ذلك من الكائنات الحية.
ووفقاً لعقيدة هؤلاء التطوريين فإنّ الذّرات غير الواعية قامت بتصنيع عناصر متعددة أدّت إلى تصميم وتنظيم وعمل المجال الجوي المتقن. ولذا فإن المجال الجوي أصبح قادراً على أن يكون سقفاً حامياً للعالم، وقام بتكوين كلّ ما هو ضروري للعيش على سطح الأرض. فيمكن القول بأنّ هؤلاء الذين يعبدون المادة ينسبون إليها قدرات خاصة. فالكربون والهيدروجين والنيتروجين والحديد تعتبر كلها آلهة بالنسبة إلى هؤلاء الوثنيين.
وكذلك، ووفقاً لهذا الاعتقاد السخيف، فإنّ الذرات العمياء تتقابل أولاً سوياً ثم بصوره أو بأخرى تنظم نفسها لتكون العين التي ترى. ويعتبر النظام السلوكي لهم محسوباً ومدركاً تماماً حتى يكفل النظام للذرات الأخرى، والتي ستقوم بتكوين قاع العين وتنتظر صابرة حتى تحدث المصادفة التي ستشكل قاع العين قبل تكوين العين ذاتها. ويرى معتنقو نظرية التطور أنّ هذه الذّرات التي تكوّن العين هي آلهة على افتراض أنها "قادرة" على خلق مثل هذا العضو المتكامل. فمثلما اتخذت الشعوب في الماضي آلهه الأمطار، فإنّ أنصار نظرية التطور اتخذوا الذّرات التي تقوم بصناعة العين آلهة أيضا.
ومن هنا يمكن أن نستنتج أنّ دين الماديين وأتباع نظرية التطور لديه أكثر من بليون من الألهة التى تعظّم. فالادعاء بأنّ كلّ كائن حي في العالم جاء إلى الوجود تلقائيا عن طريق المصادفة يعني اعتبار كلّ واحد من هذه الكائنات والقوى إلها قائما بذاته. فهذا لا يختلف عن الفشل المنطقي الذي جعل الإنسان يسجد أمام الطوطم أو يدعو التماثيل الخشبية أن تمنحه الصحة والرخاء، غير أن هناك اختلافا واحدا فقط، وهو العصر الذي عاش فيه عبدة الأوثان عن عصرنا الحاضر.
الآلهة المزيفة عند التطوريين: الذرات غير الواعية
كل شيء نقف عليه سواء كان صخرة، أو تربة أو كرسيّا ، الهواء الذي نتنفسه، الطعام الذي نأكله لنحيا، المياه التي تُكوّن ثلثي أجسامنا، وكذا جميع الأشياء داخل و خارج أجسامنا، حية كانت أو ميتة، كل ذلك مكوّن من ذرات. كذلك المجرات في الفضاء والنجوم والشموس والأرض التي نعيش عليها، كلها مكونة من ذرات، وحتى أجسامنا كذلك. فالذرات في كل مكان نوجد فيه، حتى الهواء الذي نتنفسه مليء بالذرات.
الكائنات الحية ومن ضمنها الإنسان مكونة من ذرات من عناصر مختلفة مثل الكربون والهيدروجين والأوكسيجين والكالسيوم والمغنسيوم والحديد. وتؤكد الداروينية أن تلك الذرات تجتمع معاً نتيجة المصادفات غير الواعية. فمنطق أصحاب نظرية التطور يقبلون بأن مجموعات حاشدة من الذرات غير المدركة تمارس ميكانيكية اتخاذ القرار وتكوّن، على سبيل المثال، مهندسا نوويا متخصصا في علم الذّرات.
ويأخذنا البحث الدقيق لهذا المنطق الذي لا معنى له إلى النتيجة الآتية: تجتمع الذّرات المختلفة تحت تأثير قويّ لشيء غير معلوم بالمصادفة مع بعضها البعض لتُكوّن النجوم والكواكب... وباختصار، جميع الأجرام السّماوية. ثم عن طريق التجمع غير الواعي من قبل تلك الذرات، ينتج عنه خلية حية ذات هيكل فائق التركيب. ثم تمر هذه الخلية الحية بمرحلة التطور وتقوم بتشكيل العديد من الكائنات الحية التي بها أنظمة فائقه التركيب، وفي النهاية تستوي إنسانا له وعي وإدراك. بهذا المعنى، فالإنسان يدين بوجوده فقط للمصادفات، ويقوم أيضاَ باكتشاف الذّرات التي كانت السّبب في صنع جسمه وذلك عن طريق الآلات، مثل الميكروسكوب الذي اكتشف أيضاَ عن طريق المصادفة. وهذا بالضبط ما تأكده الداروينية كنظرية علمية، وبالتالي فالواضح أن هذه النظرية تعتبر كل ذرة "إلها" قائما بذاته.
فالذرات التي تصنع الإنسان الذي يتميز بالحكمة والذكاء ليس لها وعي أو إرادة في ذاتها. غيرأن معتقدي نظرية التطور بطريقة ما يؤكدون أن هذه الذرات غير الحية تلتقي ببعضها البعض لتُكوّن الإنسان، ثم تقرر هذه "التجمعات الذرية" أن تذهب إلى المدرسة أو تتخرج من الجامعة. ووفقاَ لنفس المنطق، تمتلك أيضاً تلك الذرات مهارات مثيرة للغاية؛ فتلك الذرات تأكل الطعام الذي هو مُكوّن أيضاَ من ذرات وتتذوقه، وهي تشم رائحة الورود المكونة من الذرات وتتمتع برائحتها الزكية، ونفس الذرة أيضاَ يمكن لها أن تشعر بدفئ الهواء المحيط بها. وفي ذات الوقت، تستمع الذرات لموجات الصوت المرسلة من شريط صوتي وتتفاعل مع الترانيم الموسيقية. ووفقاَ لمعتقدي نظرية التطور، فإن الكثير من الذرات تتقابل عشوائياًّ مع بعضها البعض ويمكنها التفكير والإحساس بفقدان شخص ما، والشعور بالسعادة أو الحزن، والضحك عند مشاهدة فيلم كوميدي. فلقد إدعى عبدة الأصنام في الماضي أن قطع الخشب تمتلك قدرات خاصة بها، وهو المنطق نفسه الذي يستخدمه أصحاب نظرية التطور اليوم عندما ينسبون القدرة لذرات غير واعية.
ومهما يكن من أمر، فمن الواضح أنه لا يوجد شيء في العالم كله يمكن نسبته إلى المصادفات، إنّ هناك إرادة ووعيا لخالق عظيم هو المتصرف في هذه لحياة على الأرض وفي الكون كلّه. والطبيعة وجميع تفاصيل جسم تحتوي على آثار صنعة عظيمة لإله حكيم، إنه الله عز وجل مالك هذه الحكمة، مالك السّموات والأرض .
ويخبرنا الله عز وجل أنه سوف يرد أفعال مثل هؤلاء الكفار العاكفين على عبادة الأصنام ويبطل أعمالهم الملوثة بالشرك:
"وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (الأعراف: 138-140).
عبادة الشمس
يوجد كذلك تشابه بين المذهب الذي يقوم على أساس عبادة الشمس، والذي وُجد منذ قديم الزمان، وبين معتقدات الماديين من أصحاب نظرية التطور اليوم. فالشمس باعتبارها مصدر الضوء والطاقة غالباَ ما يفترض الناس أنهم يدينون لوجودهم للشمس وبالتالي يتخذونها إلها يعبد. ولقد حجب هذا الاعتقاد الفاسد، عبر التاريخ، العديد من المجتمعات عن دين الله الحق. ويشير القرآن الكريم إلى هذا الأمر ويحدثنا عن أهل سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس في عهد رسولنا سليمان:
"وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ" (النمل: 24-25).
وكما نرى فإن عبادة الشمس هي نتيجة الجهل وعدم التفكر. فصحيح أن الشمس ترسل الحرارة و الضوء للأرض، ولكن يجب على الإنسان أن يشكر الله الذي خلقها لا أن يعبدها هي. فالشمس ليست سوى عبارة عن كتلة كبيرة من المادة لا تملك أيّ وعي خلقها الله عز وجل من العدم. وسوف يأتي اليوم التي تستنزف فيه طاقتها وتنتهي. فبما أن الله عزوجل هو الذي خلق الشمس وخلق جميع الأجرام السماوية من العدم فهو سبحانه المستحق للشكر لأنه سخر لنا هذه الكائنات. وهذا ما تذكرنا به الآيات التالية:
"وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" (فصلت: 37)
والجدير بالذّكر، أن معتنقي نظرية التطور اليوم يؤمنون بنفس الأفكار التي كانت موجودة لدى عبدة الشمس القدماء بادعائهم أننا ندين بوجودنا للشمس. فطبقاً لمصادر أصحاب نظرية التطور، فإن أصل الحياة على الأرض ترجع إلى الشمس وأن الأشعة الصادرة من الشمس تبعث الحياة للأرض. كما ادعوا أيضاً أن الطاقة الشمسية مسئولة عن توالد فصائل حية أخرى وكذلك الأشعة الشمسية مسئولة عن الاختلاف في الكائنات الحية. وهذا ما جاء في كتاب لـ"كارل ساجان" وهو عالم فلكي أمريكي ملحد، فقد ورد في كتابه "النظام الكوني " ما يلي:
"عبد أجدادنا الشمس، وكانوا بعيدين كل البعد عن الحماقة ... فإذا كان من الضروري عبادة قوة أكبر من أنفسنا، أليس من المنطقي أن نرجع إلى الشمس والنجوم ؟"
هارلو شابلي وهو عالم فلكي يؤمن بنظرية التطور، وكان على منهج كارل سيجان ويوضح موقفه على النحو التالي: "يرى بعض المتدينين "أن البداية هو الله"، ولكني أقول "إنّ الهيدروجين هو الذي يأتي في البداية". وهكذا كان اعتقاد شابلي في الوقت الذي يتطور فيه غاز الهيدروجين إلى الحيوانات، الأشجار والإنسان. وكما هو ملاحظ فإنّ عبودية المادة والطبيعة تتضمن جميع الآراء غير المنطقية التي وضعها أصحاب نظرية التطور. فإن "دين" معتنقي نظرية التطور يعتمد على عبادة المادة والطبيعة.
وعلى الصعيد الآخر، يدرك الإنسان ذو الحكمة أن العالم والطبيعة لا يمكن أن يكونا نتاج أعمال مواد غير حية وغير مدركة. فعلى النقيض، ذو الحكمة ينبغي له أن يرى الإدراك المبدع، والتخطيط المتقن، والفن في كل التفاصيل ويدرك عظمة الله عز وجل في خلقه. ولكن لازال العديد من الناس في يومنا هذا عميان عن هذه الحقيقة ويستمرون في عبادة الأشياء. وهؤلاء مثل قوم سبأ: "وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ" (النمل: 24).
مرض الماديين وأصحاب المذهب الطبيعي
ناضل بديع الزمان سعيد النورسي طوال حياته بشراسه ضد أديان الكفر، وفي مواضع كثيرة من تفسيره للقرآن الكريم والمسمى "رسائل النور" تحدث عن مرض (طاعون) الماديين والطبيعيين. وذكر أنه يمكننا تعريف المذهب الطبيعي على النحو التالي: " المذهب الطبيعي، بمعنى مذهب عبادة الطبيعة والمذهب المادي بمعنى الفكر الذي لا يؤمن سوى بالمادة هما عبارة عن مرض لا غير". وبالإضافة إلى ذلك ينبه بديع الزمان إلى مذهبي المادية والداروينية القائمين على إنكار الإيمان والغيب، ويقدم تحليلا مفصلاً بطريقة منطقية لقصور منطقية هاتين الحركتين اللتين تنكران الدين:
"يحسب الماديون المتفرعنون (نسبة إلى فرعون) "أنهم أوجدوا أنفسهم وجدوا في هذه الحياة من تلقاء أنفسهم، وأنهم يخلقون كل شيء يحتاجونه"، ولذلك فهم لا يعترفون بالإيمان ولا بالعبودية. وهذا يعني افتراضهم بأنهم هم من خلقوا أنفسهم، والحال أن خالق شيء واحد ينبغي أن يكون هو خالق كل شيء. فكبرياؤهم وخداعهم لأنفسهم أوقعهم في الحمق لأنهم اعتقدوا أن قدرة الواحد منهم تكفيه كل شيء بينما هو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شر ذبابة أو ميكروب صغير.
إن الماديّين الذين قصروا استخدامهم للمنطق على ماهو ظاهر أمامهم في التو واللحظة يعتقدون وفقاً لفلسفاتهم غير المنطقية والتي أساسها العبث أن المصادفة هي التي تتحكم في الذرات، والمصادفة تقوم عليها جميع الأسس الرئيسية المكونة لمبادئهم واعتقاداتهم، بل وأكدوا أن الأعمال الإلهية كانت نتيجة لتلك التحوّلات. فهذا الكون الذي تملأ الروعة جميع أركانه جعلوه معتمدا على العبث والفوضى واللامعنى. وحتى من له ذرة من إيمان يدرك مدى مخالفة هذا الكلام للعقل".
ينبه بديع الزمان في كلامه السابق إلى حقيقة أنه ليس من المنطق إطلاقاً أن ينسب الشخص الأولوهية لذاته. كما يؤكد أن الإنسان كائن مخلوق ضعيف لاحول له ولاقوة، وهو عندما ينسب وجوده وكمال الكون "للمصادفات" وينكر خالقه إنما يلقي بنفسه في الجحيم. كما حذر من أن تيارات الإنكار والإلحاد سوف تكتسح العالم في وقتنا الراهن وأنه يجب إنقاذ الشعوب من تلك المذاهب الإلحادية:
"فإن الظهور الكبير لتيارات الفلسفة المادية والطبيعية سوف يقوى شيئاً فشيئاً وينتشر ويعم في نهاية الزمان ... ليبلغ الدرجة التي يتم فيها إنكار الوجود الإلهي... وإنه لمن الواضح مدى التهريج الأحمق لدى الإنسان الضعيف، الذي يمكن أن تقضي عليه ذبابة بينما هو غير قادر حتى على خلق جناحها، فكي يدعي الألوهية بعد ذلك؟
وكما أكد بديع الزمان فمن غير المعقول ولا المنطقي الاعتقاد بأنّ المادة غير الحية هي التي خلقت الكون والحياة بذاتها. فهذا الإنسان الذي يحمل مثل هذا الاعتقاد من المستحيل أن نقول أن لديه قدرًا من الحكمة والعقل. ولقد ذكر لنا نبينا إبراهيم عليه السلام ما كان يفعله قومه من حمق عندما كانوا ينحنون أمام أصنامهم المنحوتة من الخشب:
"قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" (الأنبياء: 65-66)
الأديان الباطلة التي نشأت نتيجة النظرة المادية
ونظرية التطور عن الحياة
لعل العرض القادم يعطي صورة واضحة عن حرص الماديين على زيادة أعداد الناس الذين ينكرون الوجود الإلهي ودين الله ويعملون على كسب فئة من الناس لا يكونون مسؤولين إلا أمام أنفسهم فحسب. وتحتوي الفلسفة المادية على إفكار تسعى إلى إيجاد مجتمع يرفض ليس فقط الوجود الإلهي بل والقيم الروحانية والأخلاقية على حد سواء، ولذا كان يتعين على أصحاب هذه الفلسفة زرع الفكر الملحد في عقول الناس ونشره داخل المجتمع. وبينما يرفضون دين الله عزوجل، لازالوا يقبلون صورًا بديلة للدين تتفق مع نظرتهم المادية. جورج كايلور سيمبسون George Gaylord Simpson أحد الأسماء الرائدة في الحركة الداروينية الحديثة، وهو يصف طبيعة الدين المقبول لدى أصحاب نظرية التطور قائلاً:
"بالطبع فإن هناك بعض المعتقدات التي مازالت موجودة، وهي مرتبطة بالدين وبالمشاعر الدينية التي لا تتلاءم ظاهريا مع نظرية التطور، وبالتالي لا يمكن الاحتفاظ بها فكرياً رغم جوانبها العاطفية. غير أن ما أجده الآن واضحاً ولا يتطلب المزيد من المناقشات الخاصة، هو الانسجام بين نظرية التطور والدين الحق".
يذكر سيمبسون Simpson أحد أنصار نظرية التطور أن الدين يمكن أن يتصالح مع آراء الماديين في الحياه طالما ينسجم مع مفاهيمهم. غير أنه جدير بالذكر أن ما يشار إليه "بالدين الحق" بالتأكيد ليس الدين الذي أساسه الوحي الإلهي وإنما هو شيء بعيد كل البعد عن الحق المنزل من السماء. إنه دين آخر أساسه الفكر المادي وإشباع الناس عاطفياً. فغالبية الناس الذين يدعون الإيمان في عصرنا هذا، هم في واقع الأمر يعتنقون الدين الباطل الذي زعم الماديّون أنّه "الدين الحق".
وفي الجزء التالي سيتم بإيجاز عرض بعض خصائص الأديان الباطلة، وسوف يتضح أنها جامعة لمعتقدات مشوهة تمارس باسم الدين. وباعتبار أنّ الإنسان غير معتاد على التفكر العميق فغالباً ما يفشل في ملاحظة الأخطاء الموروثة الحاصلة في تلك المعتقدات. وكشف هذه الأمور من المسؤوليات المهمة الملقاة على عاتق المؤمنين المخلصين للإسلام، ومن واجبهم أيضا تحذيرالشعوب ضدّ الأديان الباطلة التي صنعها الإنسان وإيصال رسالة القرآن إلى كل مكان، فالقرآن الكريم هو مصدر الحكمة ومصدر النور الذي جاء من عند الله تعالى لعباده من أجل هدايتهم.
1. الدين الباطل يظن أن الله موجود في السماء
رغم الاعتقاد بوجود الله عزوجل، غير أن الكثيرين يحملون معتقدات خاطئة عن مكان وجود الله تعالى. وترجع تلك المعتقدات أساساً إلى النظرة المادية للحياة، فالماديون يرون أنه لا يوجد شيء في الواقع غير المادة، فهم يفترضون بصورة حتمية أن الله عز وجل لابد وأن يكون داخل هذا الكون المادي ولكنهم فشلوا في تخيل نوع المجال الذي يجوز أن يسكنه.
ويذكر لنا القرآن الكريم بعض الشعوب التي كانت تملك مثل هذه النظرة وهذا الفهم في الماضي. ففرعون أمر ببناء برج يصل إلى السماء حتى يصعد ويرى الله عزوجل. وكان اعتقاده الخاطئ هذا نتيجة فشل في فهم صفات الله عزوجل وافتراضه أن المادة هي الحقيقة:
" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى
إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" (القصص: 38)
ولكن الله هو خالق الفضاء وهو غير محكوم به. الله عزوجل خالق الكائنات المحدودة بالفضاء، أما هو فهو منزه فوق كل المخلوقات فهو عالم بكل شيء.
ويفشل هؤلاء الناس تحت تأثير النظرة المادية للحياة في فهم هذه الحقيقة الواضحة مفترضين أن الله يسكن السّماوات. فهناك بعض الناس ينظرون إلى السماء أثناء صلواتهم، ولكن الإنسان الذي يعلم أن الله عزوجل موجود في كل مكان يستشعر وجوده حيثما يكون. ويخبرنا الله سبحانه وتعالى عن هذه الحقيقة:
" وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 115)
"لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الأنعام: 103)
2. الدين الباطل يرى أن الله خلق الكون والإنسان ثم تركهما
يرى الدين الباطل أن الله عزَّ وجل خلق الكون بأكمله في البداية بجميع الكائنات الحية ثم تركه وشأنه، وهو يكتفي بملاحظته من بعيد ولا يتدخل فيه. وطبقاً لهذا المفهوم، فإن الإنسان هو وحده الذي يحدد مصيره بنفسه. ولكن الله سبحانه وتعالى ليس محددا لا بمكان ولا بزمان، ولذلك فهو عندما خلق الكون والإنسان خلقهما معاً بماضيهما وبمستقبلهما، كأنهما لحظة واحدة. فيمكن القول بأن الله عزَّ وجل خلق كل شيء وقدر لكل شيء مصيره الخاص به. ولايمكن للإنسان معرفة مستقبله حتى يخوضه بنفسه. والله يعلم مستقبل كل إنسان ويعلم كل لحظة سوف يمر بها في حياته. فالله خلق كل لحظة سنعيشها، وكل كلمة سنتلفظ بها، وكل حركة نقوم بها. فبالتأكيد لم يخلق الله الكون بأكمله ثم تركه لقوانينه المجردة بل خلق كل لحظة في حياة جميع الكائنات الحية منذ البداية وحتى النهاية. كل شيء، سواء سقوط ورقة الشجر أو حدث من الأحداث التي يمر بها الإنسان خلال حياته، والتي تحدث وفقاً للقدر الذي حدده الله مسبقاَ. و يذكر الله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة للإنسان في العديد من الآيات:
" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59)
"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 96)
3. الدين الباطل لا يؤمن بالجنة والنّار
هناك بعض الناس تأثروا بالفكر المادي فأصبحوا لا يؤمنون بوجود الجنة والنار رغم إيمانهم بالله تعالى، والسبب الأساسي لذلك هو زعمهم أنهم لا يستطيعون التأكد من وجود شيء دون رؤيته بأعينهم أو تحسسه بأيديهم. والحقيقة أنّ هناك دلائل لا حصر لها لذوي العقل والحكمة، تشير إلى وجود الله والدار الآخرة، مثل السموات والأرض اللتين خلقتا بتصميمٍ دقيقٍ وإنسجامٍ مدهش. ومن ذلك أيضا خلق الخلية، وهي الوحدة البنائية لجميع الكائنات الحية وهي في غاية التعقيد، ومن ذلك الألوان والروائح والكائنات الحية المختلفة التي تعيش بيننا. فالله تعالى الذي خلق جميع هذه الكائنات ولم تكن شيئا مذكورا قادر، بلا أدنى شك، على إحيائها وبعثها من جديد. بيد أنه بالرغم من كل ذلك، فالإنسان يصر على الجحود والإنكار. وهؤلاء الذين رفضوا تفهم هذه الحقيقة وصفهم القرآن فقال:
"وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً" ( الإسراء: 49-52)
إن فشل غير المنكرين لله تعالى في إدراك البعث بعد الموت والشكوك التى يكنوها في أنفسهم حول هذه الحقيقة هي أيضاً نتيجة لمعتقداتهم المادية. فالمادي يرى أن التكوين المميز للإنسان الحي هو نتيجة تفاعل بين العناصر. ويؤكد أن جوانب الإنسان الغيبيه (عقله وعواطفه) يتم خلقها أيضاَ عن طريق مثل هذه التفاعلات. وبالتالي، يفسر هؤلاء الناس البعث بأنه إعادة البناء الذاتية للمادة، ولذا لا يمكن تخيل إمكانية حدوث هذه العملية. ومن هنا يمكن القول إنهم لا يستطيعون تقبل أن المادة التي تفنى يمكن أن تظهر مرة أخرى ويعاد تركيبها.
ولكن، إذا كانوا لم يستطيعوا فهم كيفية إعادة الجسم المتحلل بعد موته، فمن المفروض أن يكون إيجاد الجسم الحي من العدم أول مرة أكثر صعوبة وأشد تعقيدا. وهنا تكمن القضية الكبرى، فلو تأملوا بتفكر لأزاحوا عن أنفسهم هذه الشكوك ولعلموا أن الذي خلق من العدم قادر على البعث من جديد. يقول تعالى مذكرا بالخلق الأول:
"أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" (ق: 15-16)
إن ما يصنع الإنسان حقاً هي الروح وليس الجسد، فالإنسان ليس عبارة عن لحم وعظم وشحم فقط، إنما الإنسان بالروح إنسان. والموت يضع نهاية للجسد، بينما الروح تستمر في الحياة إلى الأبد، فالموت هو مرحلة انتقال بالروح من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة. يقول الله سبحانه وتعالى:
"ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ" (السجدة: 9-11)
الكِبر يمنع المنكرين من فهم حتى أكثر الحقائق وضوحاً، فهناك العديد من الآيات التي يذكر الله لنا فيها أن هؤلاء الذين ينكرون الحياة الآخرة ويفترضون الموت نهاية لهم لم يستخدموا عقولهم التي منحها الله لهم:
"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ" (الجاثية: 23-24)
وعلى النقيض من ذلك، فإنه عزَّ وجل يصف المؤمنين كما يلي:
"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" ( لقمان: 4-5)
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" (البقرة: 3-4)
وفي مجال النضال ضد أديان الكفر، هناك أمران مهمان يجب تناولهما؛ أحداهما إبطال نظرية التطور على أسس منطقية وعلمية حتى يعلم الناس أن وجودهم لم يكن نتيجة للمصادفة بل هو خلق الله عزَّ وجل. والأمر الآخر هو إفهام الناس ماهية المادة وحقيقتها، وبالتالي مساعدتهم لإدراك الدين الحق. فالشخص الذي يستوعب أنه أكبر من مجرد مادة يستطيع كذلك فهم قدرة لله الخالق، سبحانه وتعالى.
إن الله خالق كل شيء، وهو ليس مرتبطا بمكان أو زمان محددين. وجميع المخلوقات خلقها الله بأقدارها، والجنة والنار موجودان بالفعل ، وأعمال الإنسان مخلوقة من قبل الله عزَّ وجل، فهذه حقائق لا شك فيها ومن السهل فهمها. غير أن هناك بعض الناس لا يرغبون في قبول تلك الحقائق ويصفوها بأنها أمور صعبة. وهذا الفهم نابع من حقيقة أنه واقع تحت تأثير النظرة المادية للحياة سواء بعلم أو بغير علم. ومن الضروري لمن تأثروا بهذه النظرة أن يتحرروا من كبريائهم لكي يعرفوا الحقائق السليمة عن المادة. و في الأجزاء الأخيرة من هذا الكتاب نقرأ "الحقيقة التي هزمت دين الكفر" و "الفهم الخاطئ لنظرية التطور"، وهما يوضحان حقيقة المادة، كما يوضحان أن ما ظن سابقاً أنها أسرار معقدة هي في واقع الأمر حقائق بسيطة وواضحة.
|