|
طاعة أوامر الله تعالى في أوقات الشدائد أيضا
تمثل استجابة المسلمين لأوامر الله سبحانه وتوصياته واحدة من أنبل ما يميز المؤمنين من الفضائل. فهم لا ينتهكون شيئاً مما حرّمه الله تعالى عليهم مهما بلغت حاجتهم أو زادت وطأة كربتهم, ولن يعرّضوا أمانتهم وإخلاصهم للشك والريبة عند تعرّضهم لمرضٍ أو ضرورة, أو فشلٍ أو اضطهاد.
ويودّ الشيطان, كما نبهنا من قبل، أن يضلّ الناسَ عن سبيل ربهم القويم ليحملهم على سماع نداء نفوسهم الأمارة بالسوء, فيحثهم أن ينتهكوا ما حرّم الله تعالى ويحجب عنهم سُبل هداية ربهم عز وجلّ وتشاركه النفس الأمارة لتحقيق الهدف نفسه موسوسة ومزينة لهم ارتكاب أسفل الأعمال وأرذلها , محاولةً على سبيل المثال منع الناس من الاستيقاظ لأداء صلواتهم, مزينة لهم النوم والاسترخاء, وغير ذلك من السلوك الذي فيه معصية لله تعالى. ويحدّثهم الشيطان حديثا يزين لهم فيه حبّ الراحة ويحول بينهم وبين القيام لأداء الطاعة.
ولكن المؤمنين لا يصغون لهذا النداء السلبي, فينهضون كل صباحٍ بنشاطٍ وحماس لأداء صلواتهم, متيقنين أن هذه هي السبيل القويم نحو الإحسان والخلاص الحقيقي. ولنأخذ مثالا على ذلك أيضا موضوع الصيام, فنداء النفس والشيطان يريد أن يقنع الإنسان بصعوبة الصّيام رغم أنه فرض من عند الله تعالى، فيصور للإنسان حالة الجوع والعطش ومشقتهما. بيد أن المؤمنين يصبرون ويثبتون على الطاعة بعزيمة راسخة رغم ضغوط النفس الأمارة المستمرة, لأنهم يتوقون إلى نيل الثواب من عند خالقهم على الجوع والعطش والتعب الذي يتجشمونه قياما بالطّاعة وتلبية لنداء الإيمان ونفوسهم مفعمة بالراحة والسرور.
وبالصورة نفسها تزين النفس الأمارة المالَ غير المشروع ليبدو حلالاً, وذلك أن أكثر الناس يفعلون ذلك, ولكن المؤمنين المخلصين الصادقين لا يسمحون لأنفسهم أن يسقطوا هذه السقطة المُريعة رغم حاجتهم المُلحّة أحياناً للمال وإصرار النفس الأمارة على فعل ذلك. فلا يقربونَ مالاً حراماً, ولا يتناولون طعاماً مصدره من الحرام مهما بلغت بهم الحاجة. وهم لا يبررون لأنفسهم فعل شيء من ذلك بحجة الخصاصة، وإنما ينأون بأنفسهم عن كل ذلك لأنهم يدركون أهمية تجنب محارم الله عز وجل، وهذا الإدراك نابع من حسٍ إيماني داخلي عميق وخشية خالصة من الله عز وجلّ.
ويخاطب القرآن الكريم المسلمين التوّاقين للعمل بمقتضى ما يُرضي ربهم عزّ وجل, فيسابق بعضهم بعضاً مسرعين نحو عمل الخير مجتهدين للوصول إلى جنّة ربهم الموعودة, باذلين ما بوسعهم صابرين على الشدائد . وقد يكون لهم إخوة مسلمون أصحابُ حاجةٍ, على سبيل المثالِ, فينهضون صبيحة يومٍ عزّ نومُهُ محاولين أن يُلبوا كل حاجاتهم وقد لا يعلم أصحاب الحاجة مَنْ مِنَ الناس أسدى إليهم صنائعَ المعروفِ تلك. وقد فعلَ أولئك ما فعلوا وهم لا يودّون إشهار ما عملوا كي لا يسببوا أي إحراج لإخوانهم, تملأ قلوبهم سعادة عميقة لتطبيقهم مُثُلَ القرآن، وقد وجدوا فيه الأسلوبَ الأمثل البعيد عن كل رياء:
( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) ) سورة الحجرات: 7-8.
ولكن يحاولُ الشيطان, رغم كل شيء, بكافة السُبُلِ أن يُلبسَ غيرَ الشرعي منَ الأعمالِ لباس الشرعيةِ ويدللُ على صحة ما يذهب إليه أنّ غالبية الناس هم على نهج ما يوحي به , فيتداول كثيرٌ من الناس المال الحرام غير آبهين كونه حلالا أو حراما متجاوزين تعاليم القرآن ومبادئه، وهو كذلك يحاول إقناعنا أنّ ما تفعله الأغلبية هو عين الصواب. بيد أن القرآن الكريم ينبهنا إلى شيء مهمّ, إذ أنّ أولئك الذين يرتكبون الآثام دونما اعتبار لأي قيمة ليسوا حقيقة على صراط ربهم المستقيم ولو كانوا هم الأكثرية من الناس: ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) ) سورة الأنعام: 116.
ويُعلمنا الله عز وجل من جهة ثانية أن قليلاً من الناس يتمثّلون حقيقة الإيمان ولكن الأكثرية ليسوا على صراط ربهم القويم, ولهذا لا يقوى الشيطان على خداع المؤمنين, بل غالباً ما يكون تأثيره على ضِعافِ الإيمان ومن ملأت الريبة عقولهم رافضين فكرة الإيمان بالله تعالى.
تنبع صلابة موقف المؤمنين المخلصين من إيمانهم العميق بالله عز وجل وما يجلبه هذا اليقين من قوة ثباتٍ على الحق بالإضافة إلى سلوكهم الأخلاقي السامي، فالمؤمنون يعرفون أن العمل الصالح يقفُ سداً منيعاً أمام تلبيسات الشيطان ووساوس النفس الأمارة بالسّوء.
فعندما يتحلى المؤمن بشيم الكرم والولاء والصبر والإخلاص وغيرها من القيم الحميدة الأخرى, تكون النفس الأمارة في أسوإ حالاتها, وتكون نتيجة هذه الأعمال الطيبة لذة روحية وراحة بدنية يجدها المؤمن في نفسه. ومن الأجدى أن نعيش حياتنا في هذه الدنيا وفي الآخرة في حالة من القناعة والطهر, من أن نقتنصَ كل شهوات الدنيا وما يُرضي النفس الأمّارة. فالذين أبَوا سماع نداء النفس الأمارة لإقامة علاقاتٍ غير مشروعة وفضّلوا انتظار جزاء ربهم العظيم في الآخرة سينعمون في هذه الدنيا بشرفٍ وعزّ كبيرين. أما أولئك المؤمنون الذين تعبوا من اجل إراحة الآخرين وجاعوا من أجل إطعام غيرهم واستهانوا بالمشقات والمتاعب في سبيل دينهم فإن قلوبهم تكون مفعمة بالطمأنينة طمعا في رضاء ربهم عنهم.
وقد امتدح الله تعالى في كتابه العزيز المؤمنين الذين يتحلون بهذه الشمائل الأخلاقية الرفيعة, ونالوا كذلك محبة الناس واحترامهم. وسينال- هؤلاء الذين يعملون لوجه الله تعالى مواجهين الصعاب بسرورٍ ورضا, يعملون بثبات لا يكلّ لقضيتهم العادلة دون خوف أو وجل, متقبلين طواعية تقديم النفس والنفيس من أجل قضيتهم. ويذكر الله تعالى في كتابه الكريم مَنْ التزموا بطاعة فكان نصيبهم الفوز:
( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) ) سورة الأنبياء: 101.
أخوة المؤمنين الحقيقية أوقات الشدة
"عند الصّعاب يُفتقدُ الأصحاب"، هذا مثلٌ سائد يعبّر تعبيراً صادقاً عن الفكرة الشائعة بندرة وجود الصّديق المخلص عند الحاجة إليه. ومع ذلك, فإنّ قيمة الوفاء والإخلاص ذات أهمية بالغة في حياة الناس خاصةً عند مواجهة شدّة أو مرضٍ, إذ يكونون في أمس الحاجة لدعم معنوي من صديق مخلص. إنّ الصّداقة في المجتمعات الغربية اللاّدينية مبنية على الانتهازية, فالناس هناك قليلا ما يجدون الصّديق المخلص خاصة عند تعرضهم لأوضاع حرجة, فيتكشف لهم الوجه الحقيقي لمن كانوا يعتبرونه دائماً صديقاً وفياً. بل ربما يزيدهم ذلك الصديق المفترضُ شدّة وعنتاً أوقات ضيقهم. وهم يشكُون وتعلوا أصواتهم بطلب النجدة ولكن لا حياة لمن تنادي.
وخذ مثال الرجل الذي يقود سيارة فارهة, ويأكل في أفخم المطاعم وله عدد كبير من الأصدقاء, افترض معي أنه فقد عمله وبقي على مرتبه البسيط, كيف سيكون موقف من تربطه بهم علاقة الصداقة ؟ هل سيبدون له نفس مشاعر المودّة التي كانوا يبدونها له عندما كان ثرياً ؟ هل سيكنّونَ له نفس التقدير والاحترام الذي كانوا يظهرونه له عندما كان يرتدي أفخر الثياب ويقود أفخم السيارات؟ كيف سيعاملونه لو لبس رثّ الثياب ولم يعد ينفق من ماله عليهم أو يدعوهم لوجبات العشاء كما عوّدهم فيما مضى ؟ من الواضح أنه يخسر ولاءهم ولن يحوز انتباههم مرة أخرى. إنّ كل من ظنهم أصدقاءه سيولونه ظهورهم, وربما يتظاهرون بعدم رؤيته عند لقائه, هذا إن لم يهزؤوا منه. إن حقيقة الشخص باقية لم تتغيّر لكن الذي تبدّل هو مظهره الخارجي, ولأن المظاهر الخارجية هي موضع اهتمام أصدقائه السابقين فقد هجروه في لحظة تاركين إياه وحيداً.
وخذ مثالاً آخر, زوجان تعاهدا منذ بداية حياتهما الزوجية أن يقف كل منهما إلى جانب الآخر في أوقات الشدّة والرّخاء, ولكن ما أن تُصاب الزوجة بمكروه كالشلل النصفي مثلاً إثر حادثٍ - لم تعد تقوى معه على السير أو عمل أيّ شيء بمفردها - إلا ويتبدّل الموقف, لكن ربما بقي الزوج معها لبرهة يسيرة, وحين يُدركُ الزوج أن حالتها هذه مزمنة ولا فائدة مرجوة منها, ينقلب كل شيء رأساً على عقب. يتبين لنا من هذا المثال مفهوم الكافرين للوفاء والإخلاص والصداقة, فعندما تتعطل المصلحة تنقطع أواصر المحبة. أما الذين لم يهجروا زوجاتهم في مثل هذه الظروف العصيبة فلاعتبار ما يمكن أن يُقالُ عنهم من قِبلِ أصدقائهم وليس لاعتبار المحبة للزوجة المقعدة أو الرأفة بها. ففي الظاهر هم مخلصون أوفياء, ولكن في الحقيقة لا يشعرون أبداً بصدق الرأفة والحنان.
ومعاملة الشباب لكبار السن من آبائهم واقعٌ آخر يكون أشد وضوحاً في المجتمعات الكافرة البعيدة كل البعد عن أخلاقيات القرآن الكريم ومثُلهِ. فقد لبّى هؤلاء الآباء لسنين عديدة متطلبات أبنائهم, وما إن يتقدم بهم السن وتضعف قواهم البدنية حتى يتنكرَ الأبناءُ لما يُفترضُ أن يبذلوه من وفاءٍ وعناية بآبائهم, فيشعر الأبناء أن آباءهم يشكلون قيوداً عليهم ويكون الحل أخيرًا بوضعهم في بيوت العجزة.
يبدي المسلمون الوفاء الصادق في معاملة أفراد عائلاتهم في جميع الظروف مهما تباينت أشكالها, فربما أطعموا آباءهم وهم أنفسهم لا يأكلون, ويتفانون في تلبية حاجاتهم. وقد وصف القرآن الكريم الطريقة المُثلى التي ينبغي على المسلمين اتباعها في معاملة آبائهم:
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) ) سورة الإسراء: 23.
بين المسلمين الأوفياء فقط تجد هذه الأخوة الحقيقية, والوفاء الصادق والإخلاص الحق. فهم مناصرون لإخوانهم متكافلون معهم وملتزمون أخلاقياً بمراعاة شؤونهم حتّى في ساعة العسرة, باذلين أقصى ما بوسعهم لتلبية حاجات إخوانهم قبل حاجاتهم الشخصية شاعرين بسعادة عارمة لما يقدمونه من تضحية. فعندما يعاني إخوانهم مرضاً أو يواجهون أزمة مالية تراهم يسارعون بتقديم ما عندهم قبل أن يُطلبَ منهم ذلك, ولو حُرموا النوم أو الطعام فلن يدعوا إخوانهم في عسرة ومشقّة. ويخبرنا القرآن الكريم عن هؤلاء الأخوة الصادقين:
( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)) سورة المائدة: 155
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) ) سورة الأنفال: 72.
إن مع العسر يسـرا
نحن نذكر المصاعب والمشقات التي يمتحن الله تعالى بها عباده المؤمنين الذين يُظهرون أرفع سلوك أخلاقي وسط الظروف الحالكة. وعرضنا كذلك مشاعر السعادة والحبّ والتقدير التي يتحلون بها انسجاما مع سمو أخلاقهم, مدركين أن الله تعالى يُنزّل مع كل اختبارٍ يمتحن به عباده رضاً وسكينة تُريح المؤمنين الصادقين وتطمئنهم. وقد ذكر هذا الوعد في القرآن الكريم:
( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) ) سورة الشرح: 5- 6
(...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ...(185) ) سورة البقرة: 185
( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) ) سورة الأعلى: 8
( ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5)) سورة الطلاق: 4-5
( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) ) سورة الطلاق: 7
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) سورة الليل: 5-11
فالله تعالى ينزّل سكينته, وفق هذا النسق القرآني, على المؤمنين العاملين أثناء معاناتهم الشداشد والصّعاب, مادّاً إياهم بالعون من خزائن رحمته سبحانه, تحملُ مدده إليهم ملائكة كرامٌ, زافين لهم أسعد البشائر الربانية:
( وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) ) سورة آل عمران: 123-127
والله تعالى يدافع عن الذين آمنوا, وتنتصر لهم الملائكة, بجنودٍ لم يروها ليبقوا ثابتين بين شعوري الأمن والرضا. ويصف القرآن الكريم في آية من سورة التوبة التأييد الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى المواقف العصيبة فيقول:
( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) ) سورة التوبة: 40
كما رأينا في الآية السابقة, كل فترة عصيبة كان يتبعها إحساس عميق بقرب الفرج وزوال الشدة. والمؤمنون يعملون يدا واحدةٍ, مدركين أن ما يمرُّ بهم من أحداثٍ ينطوي على اختبارٍ قد أعدّ لهم, مقدرين ضرورة تهيئة أنفسهم لحياة الآخرة الخالدة, وهو ما يمدهم بإحساسٍ لا حدّ له من الطمأنينة عند مواجهة الابتلاءات, متلقين من الله سبحانه أعظم البشائر وأسعدها. وقد شهدنا مصداق ذلك في حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته المؤمنين حيث أعقب صبرهم واحتسابهم النصرُ المبين. وتقدّم سورة يوسف عليه السلام تمثيلاً عملياً لمثل هذه البشائر الربانية الصادقة؛
فقد ألقاه إخوته في الجبّ طفلاً صغيراً, وباعه الذي انتشله من الجب عبداً لعزيز مصر, ثم اتّهمَ بالتحرش من قِبل امرأة العزيز ظلماً وجورا, فأودع السجن وقاسى ويلاته دون أن يساوم على أخلاقه ومُثله, وكان يهرع لباب الله عز وجل عند كل ملمّة تعتريه, فيشعر بإيجابية كل ما يمر به من أحداث, حتى أصبح مضرب مثلٍ يحتذي به المؤمنون لكثرة طاعته وثقته بالله تعالى وسط خضمّ من المصائب والبلايا. وجاء إطلاق سراحه من سجنه مكافأة إلهية، وشهادة على حُسن صنيعه وشدة قربه من ربه عز وجل, وظهر إحسان الله له حين أُسند إليه أخطر منصبين في الدولة, القوّة والثروة. وشاءت الإرادة الربانية أن تكون حياة يوسف عليه السلام محطّ العناية الإلهية ليكون مثلاً يحتذي به المؤمنون, ومرجعاً صادقاً لتحقيق وعد الله لعباده المخلصين, يتلمّسه المؤمنون الصابرون الواثقون بربهم عز وجل وقت الشدائد بقرب راحتهم وفرجهم :
(... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3) ) سورة الطلاق: 2-3
ويمتحن الله عباده, كما أوضح المثال السابق, في أوقات مختلفة بالشدائد ليبقى المؤمنون في محراب عبوديتهم مذعنين لربهم يملأ قلوبهم الرضا فيرتفعون في مدارج الكمال, موقنين من نيل جزائهم أضعافاً مضاعفة عن كلّ ما قاسوه من معاناة وتحلّوا به من أخلاق رفيعة في جميع المواقف العصيبة, والتضحية بالنفس والصبر والإذعان لقضاء الله فيهم. وربّ دقائق من الشقاء تحملوا عناءها في الدنيا تعود عليهم بملايين السنين من نعيم الجنة. وهكذا يقضي المؤمنون الواثقون بوعد الله تعالى حياتهم بأشواق عارمة وآمال متوثبة لنعيم سرمدي لا ينقطع مدده. ويصف الله عز وجل حالة المؤمنين الصادقين بقوله:
( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76) ) سورة الفرقان: 72-76
( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) )) سورة النور: 37-38
موقف غير المؤمنين إزاء الصعاب
لا تتغير أخلاق المسلم, كما أوضحنا من قبل, مهما تلونت أحوال عالمه الباطن. أما مرضى القلوب والذين لا إيمان لهم فهم غير قادرين على تحمّل المشقات ومكابدتها, فمحرك صبرهم متعطل, ومرجل إيمانهم لا حرارة فيه, وعليه تراهم أكثر عنتاً عند مواجهة الشدائد, وقد يستشيطون غضبا وحنقا لأتفه الأسباب وتثور عدوانيتهم، وربما لجأوا إلى العنف. وقد يتظاهرون في الظروف العادية بالمرح والطمأنينة, ولكن سرعان ما تتملكهم العدوانية والفظاظة عندما يعرض عليهم المؤمنون حقائق الإيمان وحقائق الأخلاق القرآنية, فتثور عداوتهم كاشفين اللثام عن دمامة وجوههم وسوء أخلاقهم.
وأكثر ما يكشف معدن شخصيتهم فقدانهم فرص العمل أو تعرضهم لمرض أو حادثة أو مصيبة أو بلاء. فلو فقدوا السكن لفترة قصيرة مثلاً أو حرموا النوم أو قضّت المشكلات مضاجعهم, فسرعان ما يصبحون فريسة للقنوط. ويصف الله تعالى لنا هذه الشخصية الجاحدة التي غالباً ما تظهر عند الشدائد فيقول:
( فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) )) سورة الفجر: 15-16
وهكذا, يبتلي الله تعالى الكافرين بالمنع والعطاء وفقا لإرادته سبحانه. فيبقى المؤمنون بكامل ثقتهم بربهم وامتنانهم له عز وجل. وينقلب الكفرة على أعقابهم جاحدين نعمة الله تعالى عليهم منكرين جميل صنعه, فيخسرون الدنيا والآخرة. وقد تأتي ردة فعلهم على شكل اكتئاب حادٍ يدفعهم للانتحار أو اللجوء إلى المسكرات أو المخدرات. فهم لا يفهمون هذه المصاعب فهما إيجابيا، ولا يقدرون الخير الذي يمكن أن تنطوي عليه. ويشدد الله تعالى عليهم وطأة البلاء جزاءً وفاقا:
( وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) ) سورة الزخرف: 48
وبمعنى آخر, يسلط المولى عز وجل عليهم أوقاتاً عصيبة عسى أن يعودوا لطريق الحق فيتوبون ويلزمون جادة الإيمان, ولكن غالباً ما تجعل هذه المنغصات قلوبهم أكثر قسوة فيزدادون بعداً عن خالقهم عز وجل وإنكاراً لجلال عظمته سبحانه : ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ) سورة الأنعام: 43-44.
الحالة النفسية لأولئك الذين أخلدوا إلى الأرض
إنّ فهم المسلمين لسرّ الاختبارات التي يمرون بها يمُدّهم بالرضا والطمأنينة و يجعلهم ينعمون بثمرات صبرهم واحتسابهم. أما الذين أخلدوا إلى الأرض ظانين أنّ الحياة الدنيا دار مقام وبقاء فإنهم يَشقَونَ بما يعانون من بؤس وآلام وغم وأنانية ورغبات دنيوية. ويداخل هذا الألم جميع تفاصيل حياتهم, ويتسمُ كل ما يفعلونه بالعقم والكدر وانعدام القدرة على معرفة الخير, والذهول عمّا يمكن أن تجلبه الأخلاق الحميدة من بهجة وصلاح. فشخصياتهم غير سوية, ومواقفهم غير موزونة بموازين الخير والشر، وأكبر همهم التفكير الدائم في مصالحهم الذاتية ظانين أن بخلهم وأنانيتهم تجلب لهم منفعة دون رؤية ضرر هذا السلوك على الناس الآخرين. وكل من يحذو حذوهم يلحق به ما لحق بهم في الدنيا والآخرة . لقد خسر الذين كفروا نعيم الجنّة, وأخطر منه خسرانهم رضوان الله تعالى ورحمته.
وقد سمّى القرآن هذه الحالة بـ "الخسران المبين":
(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً (39) ) سورة فاطر: 39
ويستوعب أهل الإيمان هذه الدروس المؤثّرة، وهم يراقبون حال المنكرين والجاحدين. ذلك أنه لا يمكن غض الطرف عن إنسانٍ يسرق مال يتيمٍ أو ينهب أملاك شخصٍ آخر ليتمتع بها. وهذا القرآن الكريم يقدم وصفا لهم: ( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) ) سورة الأنعام: 125
فمثل هذا السلوك قد لا يُلاحظ بشكل واضح جلي ، ولكن يمكن لأهل البصيرة والخشية من الله أن يتبينوا هذه الصفات المنبوذة، فأولئك الناس أقلّ الإنسانية منزلة رغم امتلاكهم المال والمتاع, فهم لا يحضّون على طعام المسكين رغم حاجته, ولو حدث وفعل شيئا من الخير فعن مضض: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) ) سورة الماعون: 1-3
وكثيراً ما نجد صوراً لمثل هؤلاء الذين أثرَوا عبر وسائلٍ لا أخلاقية وغير مشروعة, كأن تكون أموالهم قد اكتسبت عن طريق الرّشوة أو من خلال معاملات فاسدة الأخرى, فيجمعون الفوائد الظالمة, ويغتصبون مال اليتيم, ولا يُسدون لفقيرٍ أو صاحب حاجةٍ معروفا، وقد يسعون في إذلال الناس وسلبهم كرامتهم. وعندما يريدون فعل شيء من الخير تنعكس عليه ظلمة قلوبهم فتفسده وتحبطه، وهذه هي أمارات الذلّة في أجل صورها. وقد استخدم الباري سبحانه كلمة "الذلّة" ليصف لنا مهانتهم وخذلانهم:
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) ) سورة يونس: 26-27
إن تحلي المؤمنين بأسمى الأخلاق وأرفعها يزيدهم نضارة وبهاءً, بينما يُنزع نور الإيمان من وجوه المنكرين الجاحدين. وطبيعي أن يحاسب كل فريق على ما قدمت يداه بعد المرور بتجربة هذه الحياة، فيجازى المحسنون ويعاقب المفسدون. وكم حاول الكفّار بأساليبهم الماكرة ومواقفهم الآثمة أن يصدّوا المؤمنين عن سبيل الهدى! ولو حلّ مثلاً أحد الناس ضيفاً على بيت واحدٍ من هؤلاء الجاحدين, فإنّ أعمال المُضيف هذا لن تفلح في بعث الراحة في نفس المؤمن مهما قدم من صنوف الطعام والمآكل, فكيف لو عرف الضّيف أنّ حياة هذا الرّجل تمثلُ سلسلة من الانتهاكات لأحكام الله وأوامره.
إن الظلم الذي يوقعه باليتيم والفقير يلوّث الطعام الذي يقدّمه لضيفه. ويفضّل المؤمنون حساءً بسيطاً أعدّ من مالٍ حلالٍ على وجبة دسمةٍ أعدّت من مالٍ حرام. وبالمثل لو دُعيَ ضيفٌ للجلوس على أريكةٍ وقد عرف أنها اشتريت من مالٍ مشبوه فإنه يثقل عليه الجلوس عليها، بل ويشعر أن كل ما في البيت هو ثمرة استغلال للضعفاء ونهب للمال الحرام. ولو بدا كل شيءٍ في الظاهر نظيفاً أنيقاً, فلن يخطئ أنف الضيف أن يشمّ رائحة عفنة متفشية في المكان تعكس الخواء الروحي لصاحبه وتقلق الضيف وتقضّ مضجعه. سيتعرّض آكلو السحت هؤلاء و سمّاعو البهتان لمهانة دنيوية وأخروية يراها الآخرون بادية عليهم وفق ما أنبأنا به القرآن الكريم:
(...وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) ) سورة المائدة: 41
فمثل هؤلاء لا يذوقون للسعادة طعماً, ولا يسعد بهم مَنْْ حولهم, لإصرارهم على ارتكاب المنكر والمحرم من الأعمال, ويتجرّدون من فضيلة الحياء لإصرارهم على انتهاك حرمات الله عز وجل. واليوم ترى أناسا كثيرين من هؤلاء منغمسين في الرذيلة والفساد مستفيدين من شيوعها وكثرتها. فهؤلاء القوم انخلعوا من ربقة الإنسانية ووصلوا إلى نقطة انعدام الشرف والكرامة. وأخطر شيء أن الذين احترفوا الفاحشة من الجنسين يحاولون جاهدين أن يجرّوا غيرهم إلى حمأتها, ولكنّ الله تعالى لهم بالمرصاد، إذ يبتليهم بالأمراض التي لم تكن في أصلابهم والمصائب والحرمان والمهانة والاحتقار, وتبدو خسّتهم واضحة للآخرين.
ويعطي الله تعالى وصفاً دقيقاً لحالة هؤلاء الأشقياء في النار, يقدّمه للمؤمنين الذين عانوا ابتلاءات الحياة الدنيا وعرفوا أسرارها, فتشرق وجوههم نضارةً لعظم ما ينتظرهم من رضوان الله تعالى في الآخرة . أما أولئك الأشقياء الذين يعانون الآن الخسارة الأبدية وقد اعتزلهم أقرب الناس إليهم, فكل ما يستطيعون فعله, وقد أحاطت النيران بهم, نظرات ملؤها المهانة وهم يطلعون على المؤمنين وقد نالوا من نعم الله في دار كرامته بما لا نهاية لفضله ومدده:
( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) ) سورة الشورى: 45
استمرار الامتحان حتى الموت
يبقى الإنسان رهن الامتحانات يكابدها حتى يوافيه الأجل. فعلى الناس أن يجعلوا كل لحظة من حياتهم منسجمة مع أوامر الله تعالى, ذاكرين جلال عظمته سبحانه ملتزمين بطاعته. وهناك أمر مهم يتعين فهمه جيدا، فلو أن كلّ من على الأرض تركوا سبيل الإيمان وكفروا بالله ما ضرّ ذلك الله تعالى مقدار ذرة، ولو أن أحدهم طيلة حياته عمل عملا صالحا، ثم تولى على عقبيه في آخر عمره ووافاه الأجل وهو على ذلك لحبط جميع عمله و لنال غضب الله عز وجلّ, فالعبرة بالخواتم.
فعلى المؤمنين أن يأخذوا حذرهم, فالشيطان عدوهم وعدو الإنسانية الأول, لن يدّخر وسعاً في استغلال أماكن ضعفهم وأوقات غفلتهم حتى لحظة رحيلهم ليغويهم عن الصراط المستقيم. ولهذا كانت لحظة الموت من أخطر اللحظات. أما أن يقول قائلٌ: أنا مؤمنٌ بالله عز وجل, وعملت ما بوسعي لنيل رضاء ربي, وقد أمنت لنفسي النجاة والخلاص، فهو في وهمٍ وغرور. والقرآن الكريم يخاطبك يا من أردتَ النجاة ألا تنقطعَ عن عبادةٍ ملؤها الخوف من الله تعالى والطمع في رحمته حتى لحظة الفراق الحاسمة:
( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) ) سورة السّجدة: 16
وليتفكر كلّ مسلمٍ في هذا الأمر ملياًّ:
( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) ) سورة آل عمران: 106
الذين آمنوا ثم ارتدّوا على أعقابهم
يُعتبر الإيمان من أعظم نعم الله على المؤمنين، فبه تتحقق السعادة والرضا في الدنيا والنجاة والفوز في الآخرة، لذا وجب علينا أن نُشفعَ كل نعمةٍ أسديت إلينا بالثناء على الله سبحانه، وعلينا أن نقدر نعمة الإيمان التي هي أعظم النعم. وعلى المؤمنين الذين حفظهم الله برحمة منه أن يدعوا بهذا الدعاء الذي يردده أهل الجنة:
( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) ) سورة الأعراف: 43
ويكون الثناء على الله تعالى بالتلفظ بالشكر، والقيام بالأعمال التي يُنال بها رضوان الله تعالى. وبما أن الصلاة هي شكر على نعمة الإيمان, فعلى المؤمنين أن يؤدوها بعناية واهتمام وحضور قلب اعترافاً بجميل صنع الله لهم عاملين أقصى ما بوسعهم لنيل رضاه, متبتلين له في محراب العبودية الحقّة الصادقة. وفي المقابل, لو ظنوا خطأً أن ما هم عليه من طاعة سيوصلهم بالضرورة إلى الجنة, أو لو نسوا أنهم رهن اختبار, فربما فقدوا هذه النعمة, وهيهات أن تعود إن زالت. وقد تقسو قلوبهم, كما صرّح القرآن بذلك, ثم ينكرون خالقهم عزّ وجل, وعندها يحبط كل ما قدّموه من عملٍ ويذهب هباء منثورًا, ويكون زرعهم الذي زرعوا فسادًا وبورًا. وقد أوضح الله تعالى لنا هذه الحقيقة في أكثر من آيةٍ:
(... وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) ) سورة البقرة: 217
( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65) ) سورة الزمر: 65
( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) ) سورة المائدة: 53
وأخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم كذلك عن بعض المؤمنين الذين ارتكسوا في إيمانهم بعد أن كانوا صالحين, وعن انحرافهم عن جادّة الحق بعد أن كانوا مهتدين.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) ) سورة النساء : 137
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ (90) ) سورة آل عمران: 90
ووصف حالتهم في الدار الآخرة كذلك بقوله:
( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) ) سورة آل عمران: 106
توضح لنا الآيات السابقة خطر ترك الإيمان واتباع طريق الهوى والضلال, فقد تجد أناسا يمضون شطر حياتهم مؤمنين بوجود الخالق عز وجل منسجمين مع أوامره, ثم تهزمهم النفس الأمارة مبعدة إياهم عن دين الله حتى يصلوا إلى درجة إنكار الخالق عز وجل, وقد يفوق جحودهم جحودَ الآخرين, ذلك لأنهم عرفوا الحقّ وعايشوه وفقاً لمراد الله تعالى ابتداءً, ثم ارتدّوا بعدها على أعقابهم فذهبت أعمالهم هباءً منثورا. لذا وجب على الناس ألا ينسوا ولو للحظة واحدة خضوعهم للاختبار ما بقوا على وجه الأرض, وأن الابتلاءات لا حدود لها, و إلا فالشيطان لا يكفّ عن محاولات إغوائهم عن صراط ربهم المستقيم عبر سلسلة من الوعود الزائفة والشكوك المُريبة.
أما إنكار الألوهية بعد معرفة الإيمان فهو السبيل إلى الشقاء السرمدي. فالذين نبذوا الإيمان يعيشون حياة ضنك وعذابٍ روحي إلى أن توافيهم آجالهم رغم امتلاكهم أكثر أعراض الحياة الدنيا كالثروة وأسباب الراحة. وبما أنهم عرفوا الحق فهم يحاولون جاهدين كبت أي نداءٍ منبعثٍ من أعماق ضمائرهم ليبقى إحساس الإثم يحرق أرواحهم, وهيهات أن يُقارنَ ألمٌ يعانونه في هذه الحياة مع ما سيلقونه بعد الموت:
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) ) سورة آل عمران: 91
فعلى المؤمنين أن يتنبهوا ما دامت هذه الأخطار محدقة بهم، فلا يغفلوا عنها حتى اللحظة الأخيرة من آجالهم خوفاً من الارتداد على الأعقاب . فالإحساسٌ بالطمأنينة يمنع الإنسان من التزود من العمل الصالح. والاعتقاد بأن الجنة مضمونة يدفع صاحبه إلى التقهقر والتراجع. وصف القرآن الكريم ذلك بقوله:
( كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) )) سورة العلق: 6-7
فاحرص أن تجعل الخطر ماثلاً بين عينيك, وقدّم من الأعمال ما يُرضي ربك عز وجل, فالرحلة مضنية والابتلاءات لا تنقطع حتى الرمق الأخير من الحياة.
الذين تخلفوا عن الجهاد وهربوا منه
هناك أناس يعيشون بإيمانٍ فطري أو بلا إيمان وكأنّ الأمور الجسام لا تعنيهم, فهم منسجمون مع مبادئ الإسلام عموماً, ولكن الله بعدله أعدّ لهم ألواناً من الابتلاءات لتظهر حقيقة معدنهم وطويتهم. فالمسلمون الذين تحمّلوا آلام الشدائد, والجوع والحاجة والمرض وفقد الممتلكات والأحباب, تقوي الابتلاءات إيمانهم وترسّخه. بينما يتقهقر الذين في قلوبهم مرض مقتربين من الكفر مع انقضاء كل دقيقة من حياتهم.
وتُبرزُ لنا هذه الحقيقة أهمية كل لحظة من حياة الإنسان, فقد يقضي بعض الناس جلّ حياتهم مؤمنين بالله تعالى, عاملين على إعلاء كلمته, مقدّمين صالح الأعمال, ولكن إذا توقفوا عن الأداء الأمثل انسجاماً مع فطرتهم السليمة, يطول عليهم الأمد, وتقسو قلوبهم وقد يفقدون ملكة التمييز بين الخير والشّر, وقد تطغى مشاغل الحياة وشؤونها على إحساسهم بضرورة متابعة العمل لنيل رضا الله عز وجل, وقد يتفاقم وضعهم فينحدرون سريعاً نحو الجحود والكفر.
وقد وصفت لنا العديد من الآيات جهاد الأنبياء عليهم السلام لحماية عامة المسلمين من بطش مجتمعاتهم وصوناً لدين الله عز وجل, وكان الجهاد يمثل حينها بُعداً تعبديّاً بالغ الأهمية. فرأينا كيف دخل محمد صلى الله عليه وسلم في صراع مريرٍ مع ذلك المجتمع المشرك, وكل مواجهة كانت تتم بأمرٍ من الله سبحانه, ثم يتحمّل عليه الصلاة والسلام تبعة مسؤوليتها. وسيطبع الله تعالى على قلوب أولئك النفر الذين حاولوا التملّص من مسؤولياتهم تجاه دينهم, لأن هذه الرغبة في الفرار تدلّ على حقيقة ضعف صلتهم بالإيمان.
ويمضي كفاح المؤمنين في زماننا هذا ضد الكفرة في ميدان الفكر, فالمطلوب من المؤمنين التعمق في العلم والبحث لدحض جميع الشبهات التي يسعى الملحدون إلى إلصاقها بالدين كوسيلة لإنكار وجود الخالق عز وجل. فكل مسلم يتحمل اليوم جزءا من المسؤولية, ولا يمكن لأي واحد اليوم أن ينأى بنفسه بعيدا وكأنّ الأمر لا يعنيه، ولا حتى أن يقف موقف الحياد. فهؤلاء الذين أبوا تحمّل المسؤولية وصفهم القرآن الكريم بأن قلوبهم قاسية: ( وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) ) سورة التوبة: 86-87
وهناك نموذج آخر ممن قدّموا المعاذير عند مواجهة المشقات وأخمدوا نور الإيمان في قلوبهم وهم يحاولون الفرار من مسؤولياتهم الجهادية:
( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) ) سورة التوبة: 42
تتجلى في هذه الأمثلة المُستقاة من عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعهود من سبقوه من الأنبياء عليهم السلام أجمعين حقيقة مهمة مفادها أن سنّة الله تعالى في الاختبارات ماضية دون توقف ضمن سلسلة من الابتلاءات ليميز أهل الحقّ من المؤمنين عن أهل الضلال من المفترين. فيظهر ثبات وعزيمة المؤمنين أوقات الشدائد, ويرتكس أولئك الذين خارت قواهم مبتعدين عن جادة الحق والدين. وحدث على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما كانت المعارك محتدمة بين المسلمين والكفرة أن أظهر بعض المسلمين خوراً وضعفاً, واجتاحتهم الرّيبُ المفزعة, ظانين بالله تعالى غير الحق, ويسرع الشيطان منتهزاً فرصة ضعفهم ليبعدهم عن سبيل الحق:
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) ) سورة آل عمران: 155
أبرزت هذه الواقعة درساً عظيماً للمؤمنين, حيث بيّن الله تعالى ضرورة تعرّض الناس للابتلاءات ليميز الخبيث من الطيب, وما من طريقة لتحمّل مشقتها سوى الإيمان الصادق الراسخ بالله سبحانه وتعالى. ومن رحمة الله بعباده المؤمنين الصادقين أنه يثبّتُ أقدامهم ويُنزلُ السكينة والرضا في قلوبهم في فترات الشدائد. ومن الضروري أن يبقى هذا الاختبار ماثلاً في ذاكرتنا, تجري سنّته على الناس جميعا ليتمايز الخبيث من الطيب:
( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) ) سورة العنكبوت: 2-3
الخاتمـة
يدنو كل إنسانٍ من لحظة أجله الحاسمة مع مرور كل دقيقة من الزمن, فمسألة السنّ ليس لها أهمية، والموت قريب من الصغار قربه من الكبار ولا فرق بينهما. فليس الموت أقرب من ابن الثامنة والستين عاماً وهو ممدد على سرير المرض, ينتظر الموت, من الفتاة ذات الثامنة عشرة ربيعاً تقطع قارعة الطريق, وكم هي كثيرة حوادث السير التي تودي بحياة الكثيرين من المارّة, وما يدريك أن تكون هذه لحظة موتها أو موته, وهذه واحدة من أهم الحقائق وأخطرها في حياة الإنسان.
ينهمك كل إنسان في سباق حميم لقطع مراحل متعددة ومتقدمة نحو حياة الآخرة فيما قدر لهم من فتراتٍ زمنية، هي مجمل آجالهم. وكما قال العلامة بديع الزمان رحمه الله تعالى: "إنّ هذه الدار الفانية هي إلا بمثابة مزرعة، وميدان تعليم". 9
فالناس في هذه الدنيا يمكن أن يعقدوا صفقات تجارية رابحة مع الله تعالى لينالوا في الآخرة عوضاً لا نهاية له. فأصحاب المنطق السليم يستمعون لنداء فطرتهم, مدركين أن لله مشيئة في دوام اختبارهم, عالمين مشقة الطريق, وكان نزول القرآن عوناً وهداية لهم, آخذين من بعثة الرسل الكرام معالم طريقهم الحق. فالذين ينيبون لربهم عز وجل بقلوب مؤمنة مخلصة سينعمون بالطمأنينة مهما واجهوا من مشقات حتى تكتب لهم النجاة. ومن الأسرار المهمة التي تفصح عنها هذه الابتلاءات أنها مليئة بأعظم احتمالات الخير لكل المؤمنين.
فينبغي أن يكون ديدن المؤمنين الرضا بما كشف لهم من مجريات القدر, والتزام أخلاق أهل التقوى من المؤمنين كما وصفوا في القرآن الكريم, فهم متشبثون بإيمانهم بالله عز وجل, متحلين بالصبر والثبات أثناء تقدمهم نحو الحياة الآخرة الحقيقية:
( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) ) سورة آل عمران: 146-147.
خديعة التـطور
إن نظرية التطور والدارونية هي نظرية ظهرت لتناهض فكرة خلق الأحياء, ولكنها لم تتجاوز حد كونها سفسطة لا تمت إلى العلم بأية صلة, إضافة إلى كونها نظرية بعيدة عن أي نجاح وانتشار. وتدعي هذه النظرية أن الحياة نشأت من مواد حية بفعل المصادفات, ولكن هذا الادعاء سرعان ما تهاوى أمام ثبوت خلق الأحياء وغير الأحياء من قبل الله عز وجل. فالذي خلق الكون ووضع فيه الموازين الدقيقة هو بلا شك الخالق الفاطر سبحانه وتعالى. ونظرية التطور لا يمكن لها أن تكون صائبة طالما تشبثت بفكرة رفض "خلق الله للكائنات " وتبني مفهوم "المصادفة " بدلاً عنها. وبالفعل عندما تتفحص جوانب هذه النظرية من أبعادها كافة نجد أن الأدلة العلمية تفندها تفنيدا كاملا. فالتصميم الخارق الموجود في الكائنات الحية أكثر تعقيداً من الكائنات غير الحية, ومثال على ذلك الذرات، فهي موجودة وفق موازين حساسة للغاية. ونستطيع أن نميز هذه الموازين بإجراء الأبحاث المختلفة عليها, إلا أن هذه الذرات نفسها موجودة في العالم الحي وفق ترتيب آخر أكثر تعقيداً. فهي تعد مواد أساسية لتركيب البروتينات والأنزيمات والخلايا, وتشمل في داخلها آليات ومعايير حساسة إلى درجة مدهشة. إن هذا التصميم الخارق كان سبباً رئيساً لتفنيد مزاعم هذه النظرية بحلول نهاية القرن العشرين .
المصاعب التي هدمت الداروينية
ظهرت هذه النظرية بصورة محددة المعالم في القرن التاسع عشر مستندة إلى التراكمات الفكرية والتي تمتد جذورها إلى الحضارة الإغريقية، ولكن الحدث الذي بلور هذه النظرية وجعل لها موطئ قدم في دنيا العلم هو صدور كتاب " أصل الأنواع" لمؤلفه تشارلز دارون. ويعارض المؤلف في كتابه فكرة خلق الكائنات الحية المختلفة من قبل الله سبحانه وتعالى, وبدلاً من ذلك يدعو إلى اعتقاده المبني على نشوء الكائنات الحية كافة من جد واحد. وبمرور الزمن ظهر الاختلاف بين الأحياء نتيجة حدوث التغيرات الطفيفة.
إن هذا الادعاء الدارويني لم يستند إلى أي دليل علمي, ولم يتجاوز كونه "جدلاً منطقياً" وهذا باعترافه هو شخصياً, حتى أن الكتاب احتوى على باب باسم "مصاعب النظرية" تناول بصورة مطولة اعترافات داريون نفسه بوجود العديد من الأسئلة التي لم تستطع النظرية أن تجد لها الردود المناسبة, لتشكل بذلك ثغرات فكرية في بنيان النظرية.
وكان يتمنى أن يجد العلم بتطوره الردود المناسبة لهذه الأسئلة ليصبح التطور العلمي مفتاح قوة للنظرية بمرور الزمن. وهذا التمني طالما ذكره في كتبه, ولكن العلم الحديث خيب أمل دارون وفند مزاعمه واحداً بعد الآخر.
ويمكن ذكر ثلاثة عوامل رئيسة أدت إلى انتهاء الداروينية كنظرية علمية وهي:
1- فشلت النظرية تماماً في إيجاد تفسير علمي لكيفية ظهور الحياة لأول مرّة .
2- عدم وجود أي دليل علمي يدعم فكرة وجود " آليات خاصة للتطور " كوسيلة للتكيف بين
الأحياء .
3- إن سجلات حفريات المتحجرات تبين لنا وجود مختلف الأحياء دفعة واحدة عكس ما تدعيه
نظرية التطور.
وسنشرح بالتفصيل هذه العوامل الثلاثة .
أصل الحياة : الخطوة غير المسبوقة أبداً
تدّعي نظرية التطور أن الحياة والكائنات الحيّة بأكملها نشأت من خلية وحيدة قبل 3,8 مليار سنة. ولكن كيف يمكن لخلية واحدة أن تتحوّل إلى الملايين من أنواع الكائنات الحيّة المختلفة من حيث الشكل والتركيب, وإذا كان هذا التحول قد حدث فعلاً, فلماذا لم توجد أية متحجرات تثبت ذلك ؟ إن هذا التساؤل لم تستطع النظرية الإجابة عنه. وقبل الخوض في هذه التفاصيل يجب التوقف عند الادعاء الأول والمتمثل في تلك "الخلية الأم"، ترى كيف ظهرت إلى الوجود ؟ تدعي النظرية أن هذه الخلية ظهرت إلى الوجود نتيجة المصادفة وحدها وفي ظل ظروف الطبيعة دون أن يكون هناك أي تأثير خارجي أو غير طبيعي, أي إنها ترفض فكرة الخلق رفضاً قاطعاً, بمعنى آخر: تدعي النظرية أن مواد غير حيّة حدثت لها بعض المصادفات أدت بالنتيجة إلى ظهور خلية حيّة, وهذا الادعاء يتنافى تماماً مع كافة القواعد العلمية المعروفة.
"الحياة تنشأ من الحياة "
لم يتحدث تشارلز دارون أبداً عن أصل الحياة في كتابه المذكور, والسبب يتمثل في طبيعة المفاهيم العلمية التي كانت سائدة في عصره, والتي لم تتجاوز فرضية كون الأحياء من مواد بسيطة جداً. وكان العلم آنذاك ما يزال تحت تأثير نظرية "التولد الذاتي" التي كانت تفرض سيطرتها منذ القرون الوسطى, ومفادها أن مواد غير حيّة تجمّعت بالمصادفة وأنتجت مواد حيّة. وهناك بعض الحالات اليومية كانت تسوق بعض الناس إلى تبنّي هذا الاعتقاد مثل تكاثر الحشرات في فضلات الطعام, وتكاثر الفئران في مخازن الحبوب. ولإثبات هذه الادعاءات الغريبة كانت تجري بعض التجارب مثل وضع حفنة من الحبوب على قطعة قماش بالٍ, وعند الانتظار قليلاً تبدأ الفئران بالظهور حسب اعتقاد الناس في تلك الفترة .
وكانت هناك ظاهرة أخرى وهي تكاثر الدود في اللحم, فقد ساقت الناس لهذا الاعتقاد الغريب واتخذت دليلاً له, ولكن تم إثبات شيء آخر فيما بعد, وهو أن الدود يتم جلبه بواسطة الذباب الحامل ليرقاته والذي يحط على اللحم. وفي الفترة التي ألف خلالها دارون كتابه "أصل الأنواع" كانت الفكرة السائدة عن البكتيريا أنها تنشأ من مواد غير حيّة, ولكن أثبتت التطورات العلمية بعد خمس سنوات فقط من تأليف الكتاب عدم صحة ما جاء فيه, وذلك عن طريق الأبحاث التي أجراها عالم الأحياء الفرنسي لويس باستور, ويلخص باستور نتائج أبحاثه كما يلي: "لقد أصبح الادعاء القائل بأن المواد غير الحيّة تستطيع أن تنشئ الحياة في مهب الريح" 10
وظل المدافعون عن نظرية التطور يكافحون لمدة طويلة ضد الأدلة العلمية التي توصل إليها باستور, ولكن العلم بتطوره عبر الزمن أثبت التعقيد الذي يتصف به تركيب الخليّة, وبالتالي استحالة ظهور مثل هذا التركيب المعقد من تلقاء نفسه.
المحاولات العقيمة في القرن العشرين
لقد كان الأخصائي الروسي في علم الأحياء أليكسندر أوبارين أول من تناول موضوع أصل الحياة في القرن العشرين وأجرى أبحاثا عديدة في ثلاثينيات القرن العشرين لإثبات أن المواد غير الحيّة تستطيع إيجاد مواد حيّة عن طريق المصادفة. ولكن أبحاثه باءت بالفشل الذريع واضطر إلى أن يعترف بمرارة قائلاً "إن أصل الخلية يُعَدُّ نقطة سوداء تبتلع نظرية التطور برمتها".11
ولم ييأس باقي العلماء من دعاة التطور, واستمروا في الطريق نفسه الذي سلكه أوبارين وأجروا أبحاثهم للتوصل لأصل الحياة, وأشهر بحث أجريَ من قبل الكيميائي الأمريكي "ستانلي ميلر" سنة 1953 حيث افترض وجود مواد ذات غازات معيّنة في الغلاف الجوي في الماضي البعيد, ووضع هذه الغازات مجتمعة في مكان واحد وجهزها بالطاقة, واستطاع أن يحصل على بعض الأحماض الأمينية التي تدخل في تركيب البروتينات .
وعدّت هذه التجربة في تلك السنوات خطوة مهمة إلى الأمام, ولكن سرعان ما ثبت فشلها, لأن المواد المستخدمة في التجربة لم تكن تمثل حقيقة المواد التي كانت موجودة في الماضي السحيق, وهذا الفشل ثبت بالتأكيد في السنوات اللاحقة .
وبعد فترة صمت طويلة اضطر ميللر نفسه إلى الاعتراف بأن المواد التي استخدمها في إجراء التجربة لم تكن تمثل حقيقة المواد التي كانت توجد في الغلاف الجوي في سالف الزمان.12
وباءت بالفشل كل التجارب التي أجراها الدارونيون طوال القرن العشرين, وهذه الحقيقة تناولها "جيفري بادا" الأخصائي في الكيمياء الجيولوجية في المعهد العالي في سان ديغو سيكريس في مقال نشره سنة 1998 على صفحات مجلة "الأرض" ذات التوجه الدارويني. وجاء في المقال ما يلي:
"نحن نودع القرن العشرين وما زلنا كما كنا في بدايته نواجه معضلة لم نجد لها إجابة, وهي: كيف بدأت الحياة ؟"13
الطبيعة المعقدة للحيـاة
السبب الرئيسي الذي جعل نظرية التطور تتورط في هذه المتاهات أن هذا الموضوع العميق لأصل الحياة معقد للغاية. حتى للكائنات الحيّة البسيطة بشكل لا يصدقه العقل .
إن خلية الكائن الحي أعقد بكثير من جميع منتجات التكنولوجيا التي صنعها الإنسان في وقتنا الحاضر ولا يمكن إنتاج ولو خلية واحدة بتجميع مواد غير حيّة في أكبر المعامل المتطورة في العالم .
إن الشروط اللازمة لتكوين خليّة حيّة كثيرة جدّاً, لدرجة أنه لا يمكن شرحها بالاستناد على المصادفات إطلاقاً. غير أن احتمال تكوين تصادفي للبروتينات التي هي حجر الأساس للخليّة, على سبيل المثال: احتمالية تكوين بروتين متوسط له 500 حمض أميني و هي 10 قوة 950 تعد مستحيلة على أرض الواقع.
الذي يحفظ المعلومات الجينية في نواة الخليّة يعد بنكا هائلاً للمعلومات لا يمكن تصور ما فيه. فهذه المعلومات تمثل مكتبة تشتمل على تسع مئة مجلد. وكل مجلد عدد صفحاته خمس مئة صفحة.
وهناك أيضاً ازدواجية أخرى غريبة في هذه النقطة وهي أن الشريط الثاني لـDNA لا يمكن تكونه إلا ببعض البروتينات ( الأنزيمات )الخاصة. ولكن إنتاج هذه الأنزيمات يتم حسب المعلومات الموجودة في د.ن.أ فقط لارتباطها الوثيق ببعضها, فلا بد من وجودها معاً في الوقت نفسه لكي تتم الإزدواجية. فهو يؤدي إلى الوقوع في مأزق الفكرة التي تقول : إن الحياة قد وجدت من ذاتها, ويعترف بهذه الحقيقة الدارويني المعروف " ليسلي أورجيل "14 .
إن البروتينات والحمضيات النووية د.ن.أ / ر.ن. أ التي تمتلك مكونات غاية في التعقيد يتم تكونها في الوقت نفسه والمكان نفسه, واحتمال تكونهما مصادفة عملية غير مقبولة تماماً, فلا يمكن إنتاج أحدهما دون أن يكون الآخر موجودا, وبذلك يكون الإنسان مضطرًا إلى الوصول إلى نتيجة وهي استحالة ظهور الحياة بطرق كيميائية.
إن كان ظهور الحياة بطريق المصادفة مستحيلاً فيجب أن نعترف بخلق الحياة بشكل خارق للطبيعة, هذه الحقيقة تبطل نظرية التطور التي بنت كل مقوماتها على أساس إنكار الخلق.
الآليات الخيالية لنظرية التطور
القضية الثانية التي كانت سبباً في نسف نظرية دارون كانت تدور حول "آليات التطور"، فهذا الادعاء لم يثبت في أي مكان في دنيا العلم لعدم صحته علمياً ولعدم احتوائه على قابلية التطوير الحيوي. وحسب ادعاء دارون فإن التطور حدث نتيجة "الانتخاب الطبيعي" وأعطى أهمية استثنائية لهذا الادعاء, وهذا الاهتمام من قبله يتضح من اسم الكتاب الذي سماه "أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي". إن مفهوم الانتخاب الطبيعي يستند إلى مبدإ بقاء الكائنات الحيّة التي تظهر قوة وملاءمة تجاه الظروف الطبيعية. فعلى سبيل المثال: لو هدّد قطيع من الغزال من قبل الحيوانات المفترسة فإن الغزالة الأسرع في العدو هي التي تستطيع البقاء على قيد الحياة. وهكذا يبقى القطيع متألفاً من أفراد أقوياء سريعين في العدو. ولكن هذه الآلية لا تكفي أن تطور الغزال من شكل إلى آخر, كأن تحولها إلى خيول مثلاً. لهذا السبب لا يمكن تبني فكرة "الانتخاب الطبيعي" كوسيلة للتطور. وحتى دارون نفسه كان يعلم ذلك وذكره ضمن كتابه "أصل الأنواع" على النحو التالي: " طالما لم تظهر تغييرات إيجابية فإن الانتخاب الطبيعي لا يفي بالغرض المطلوب " 15.
تأثير لامارك
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف كانت ستحدث هذه التغيرات الإيجابية ؟ أجاب دارون على هذا السؤال استناداً إلى أفكار من سبقوه من رجالات عصره مثل لامارك . ولامارك عالم أحياء فرنسي عاش ومات قبل دارون بسنوات كان يدّعي أن الأحياء تكتسب تغيرات معيّنة تورثها إلى الأجيال اللاحقة. وكلما تراكمت هذه التغيرات جيلاً بعد جيل أدت إلى ظهور أنواع جديدة, وحسب ادعائه فإن الزرافات نشأت من غزلان نتيجة محاولتها للتغذي على أوراق الأشجار العالية عبر أحقاب طويلة . وأعطى دارون أمثلة مشابهة في كتابه "أصل الأنواع"، فقد ادعى أن الحيتان أصلها قادم من الدببة التي كانت تتغذى على الكائنات المائية، وكانت مضطرة للنزول إلى الماء بين الحين والآخر. 16
إلا أن قوانين الوراثة التي اكتشفها مندل والتطور الذي طرأ على علم الجينات في القرن العشرين أدى إلى نهاية الأسطورة القائلة بانتقال الصفات المكتسبة من جيل إلى أخر، وهكذا ظلت "آلية الانتخاب الطبيعي" آلية غير ذات فائدة أو تأثير من وجهة نظر العلم الحديث.
الدارونية الحديثة والطفرات الوراثية
قام الدارونيون بتجميع جهودهم أمام المعضلات الفكرية التي واجهوها خصوصاً في ثلاثينيات القرن العشرين وساقوا نظرية جديدة أسموها بـ "نظرية التكوّن الحديث" أو ما عرف بـ "الدارونية الحديثة"، وحسب هذه النظرية الحديثة فهناك عامل آخر له تأثير تطوري إلى جانب الانتخاب الطبيعي. وهذا العامل يتلخص في حصول طفرات وراثية أو جينية تكفي سبباً لحدوث تلك التغيرات الإيجابية المطلوبة . وهذه الطفرات تحدث إما بسبب التعرض للإشعاعات أو نتيجة خطأ في الاستنساخ الوراثي للجينات .
وهذه النظرية لا زالت تدافع عن التطور لدى الأحياء تحت اسم الدارونية الحديثة. وتدّعي هذه النظرية أن الأعضاء والتراكيب الجسمية الموجودة لدى الأحياء والمعقّدة التركيب كالعين والأذن أو الكبد والجناح ...الخ لم تظهر أو تتشكل إلا بتأثير حدوث طفرات وراثية أو حدوث تغييرات في تركيب الجينات, ولكن هذا الادعاء يواجه مطباً علمياً حقيقياً, وهو أن الطفرات الوراثية دائماً تشكل عامل ضرر على الأحياء ولم تكن ذات فائدة في يوم من الأيام .
وسبب ذلك واضح جداً فإن جزيئات الـ "د.ن.أ" معقدة التركيب للغاية. وأي تغيير جزيئي عشوائي مهما كان طفيفاً لا بد أن يكون له أثر سلبي, وهذه الحقيقة العلمية يعبّر عنها ب. ج. رانكاناثان الأمريكي المتخصص في علم الجينات كما يلي: "إن الطفرات الوراثية تتسم بالصغر والعشوائية والضرر, ولا تحدث إلا نادراً وتكون غير ذات تأثير في أحسن الأحوال. إن هذه الخصائص العامة الثلاث توضح أن الطفرات لا يمكن أن تلعب دوراً في إحداث التطوّر, خصوصاً أن أي تغيير عشوائي في الجسم المعقد لا بدّ له أن يكون إما ضاراً أو غير مؤثر, فمثلاً أي تغيير عشوائي في ساعة اليد لا يؤدي إلى تطويرها, بل الاحتمال الأكبر أن يؤدي إلحاق الضرر بها أو أن يصبح غير مؤثر بالمرة."17
وهذا ما حصل فعلاً, لأنه لم يثبت إلى اليوم وجود طفرة وراثية تؤدي إلى تحسين البنية الجينية للكائن الحيّ , والشواهد العلمية أثبتت ضرر جميع الطفرات الحاصلة. وهكذا يتضح أن هذه الطفرات التي سيقت باعتبارها سبباً لتطور الأحياء من قبل الدارونية الحديثة تمثل وسيلة تخريبية التأثير على الأحياء. وأفضل مثال للطفرة الوراثية الحاصلة لجسم الإنسان هو الإصابة بمرض السرطان, ولا يمكن والحال كذلك أن تصبح الطفرات الوراثية ذات التأثير الضار آلية معتمدة علمياً لتفسير عملية التطور. أما آلية الانتخاب الطبيعي فهي بدورها لا يمكن أن تكون مؤثرة لوحدها فقط حسب اعترافات دارون نفسه , وبالتالي لا يمكن أن يوجد مفهوم يدعى بـ "التطور"، أي أن عملية التطور لدى الأحياء لم تحدث على الإطلاق.
سجلات المتحجرات : لا أثر للحلقات الوسطى
تُعدّ سجلات المتحجرات أفضل دليل على عدم حدوث أي من السيناريوهات التي تدعيها نظرية التطور, فهذه النظرية تدعي أن الكائنات الحيّة مختلفة الأنواع نشأ بعضها من البعض الآخر. فنوع معين من الكائنات الحية من الممكن أن يتحوّل إلى نوع آخر بمرور الزمن وبهذه الوسيلة ظهرت الأنواع المختلفة من الأنواع, وحسب النظرية فإن هذا التحول النوعي استغرق مئات الملايين من السنين واستناداً إلى هذا الادعاء يجب وجود حلقات وسطى (انتقالية ) طوال فترة حصول التحول النوعي في الأحياء .
على سبيل المثال: يجب وجود كائنات تحمل صفات مشتركة من الزواحف والأسماك ,لأنها في البداية كانت مخلوقات مائية تعيش في الماء وتحولت بالتدريج إلى زواحف,أو يفترض وجود كائنات ذات صفات مشتركة من الطيور والزواحف ,لأنها في البداية كانت زواحف ثم تحولت إلى طيور, ولكون هذه المخلوقات الافتراضية قد عاشت في فترة تحول فلا بد أن تكون ذات قصور خلقي أو مصابة بإعاقة أو تشوه ما ,ويطلق دعاة التطور على هذه الكائنات الإنتقالية أسم "الأشكال الإنتقالية".
ولو افترضنا أن هذه "الأشكال البينية" قد عاشت فعلاً في الحقب التاريخية, فلا بد أنها وجدت بأعداد كبيرة وأنواع كثيرة تقدر بالملايين بل بالمليارات, وكان لا بد أن تترك أثراً بالمتحجرات المكتشفة ,ويعبر دارون عن هذه الحقيقة في كتابه "إذا صحت نظريتي فلا بد أن تكون هذه الكائنات الحية العجيبة قد عاشت في مدة ما على سطح الأرض ...وأحسن دليل على وجودها هو اكتشاف متحجرات ضمن الحفريات .18
خيبة آمال دارون
أجريت حفريات وتنقيبات كثيرة جداً منذ منتصف القرن السابع عشر وحتى الآن, ولكن لم يعثر على أي أثر لهذه "الأشكال الانتقالية"، وقد أثبتت المتحجرات التي تم الحصول عليها نتيجة الحفريات عكس ما كان يتوقعه الداروينيون, من أن جميع الأحياء بمختلف أنواعها قد ظهرت إلى الوجود فجأة وعلى أكمل صورة. وقد اعترف بهذه الحقيقة أحد غلاة الداروينية وهو ديبيك وايكر الأخصائي البريطاني في علم المتحجرات قائلاً: "إن مشكلتنا الحقيقية هي حصولنا على كائنات حية كاملة, سواء كان ذلك على مستوى الأنواع أو الأصناف عند تفحصنا للمتحجرات المكتشفة, وهذه الحالة واجهتنا دوماً دون العثور على أيّ أثر لتلك المخلوقات المتطورة تدريجياً. 19
أي إنّ المتحجرات تثبت لنا ظهور جميع الأحياء فجأة دون أي وجود للأشكال الانتقالية نظرياً. وهذا طبعاً عكس ما ذهب إليه دارون, وهذا تعبير عن كون هذه الكائنات الحيّة مخلوقة, لأن التفسير الوحيد لظهور كائن حي فجأة دون أن يكون له جدّ معين هو أن يكون مخلوقاً, وهذه الحقيقة قد قبلها عالم أحياء مشهور مثل دوغلاس فوتويما.
"إن الخلق والتطور مفهومان أو تفسيران سائدان في دنيا العلم لتفسير وجود الأحياء, فالأحياء إما وجدت فجأة على وجه البسيطة على أكمل صورة أو لم تكن كذلك, أي أنها ظهرت نتيجة تطورها عن أنواع أو أجداد سبقتها في الوجود. وإن كانت ظهرت فجأة وبصورة كاملة الشكل والتكوين فلا بد من قوة لا حد لها وعقل محيط بكل شيء أوجدا مثل هذه الكائنات الحيّة" .20
فالمتحجرات تثبت أن الكائنات الحيّة قد ظهرت فجأة على وجه الأرض وعلى أحسن شكل وتكوين، أي إن أصل الأنواع هو الخلق وليس التطور كما كان يعتقد دارون.
أسطورة تطور الإنسان
إن من أهم الموضوعات المطروحة للنقاش ضمن نظرية التطور هو بلا شك أصل الإنسان, وفي هذا المجال تدعي الداروينية بأن الإنسان الحالي نشأ متطوراً من كائنات حية شبيهة بالقرد عاشت في الماضي السحيق, وفترة التطور بدأت قبل 4-5 ملايين سنة, وتدعي النظرية وجود بعض الأشكال الانتقالية خلال الفترة المذكورة, وحسب هذا الادعاء الخيالي هناك أربعة مجموعات رئيسية ضمن عملية تطور الإنسان وهي:
1- أوسترالوبيثيكوس
2- هوموهابيليس
3- هوموإريكتوس
4- هوموسابينس
يطلق دعاة التطور على الحد الأعلى للإنسان الحالي اسم "أوسترالوبيليكوس" أو قرد الجنوب, ولكن هذه المخلوقات ليست سوى نوع منقرض من أنواع القرود المختلفة, وقد أثبتت الأبحاث التي أجراها كل من الأمريكي البروفيسور تشارلس أوكسنارد والبريطاني اللورد سوللي زاخرمان - وكلاهما من أشهر العلماء التشريح – أنه لا علاقة البتة بين الإنسان وبين هذه القرود المنقرضة.21
أطلق الداروينيون اسم "هومو" أو الإنسان على هذه القرود، وفي كافة مراحل الـ"هومو" أصبح الكائن الحي الأكثر تطوراًمن قرد الجنوب, ويتشبث الداروينيون بوضع المتحجرات الخاصة بهذه الأنواع المنقرضة كدليل على صحة نظريتهم وتأكيداً على وجود مثل هذا الجدول التطوري الخيالي، غير أن هذا القصور في التفكير اعترف به أحد دعاة نظرية التطور في القرن العشرين وهو آرنست مير قائلاً : "إن السلسلة الممتدة إلى "هومو سابينس" منقطعة الحلقات" 22
وهناك سلسلة يحاول الدارونيون إثبات صحتها تتكون من قرد الجنوب "اوسترالوبيثيكوس" و "هومو هابيليس" و "هومواريكتوس" و"هوموسابينس"، أي أن أقدمهم يعد جداً للذي يليه. ولكن الاكتشافات التي عثر عليها علماء المتحجرات أثبتت أن قرد الجنوب و"هومو هابيلس" و"هومو اريكتوس قد وجد في أماكن مختلفة وفي الفترة الزمنية نفسها23.
والأبعد من ذلك هو وجود أنواع من "هومو اريكتوس" قد عاشت حتى فترات حديثة نسبياً ووجدت جنباً إلى جنب مع "هومو سابيس" و"ثياندرتالينس" و"هوموسابينس"، أي الإنسان الحالي.24
وهذه الاكتشافات أثبتت عدم صحة كون أحدهما جداً للآخر, وأمام هذا المأزق الفكري الذي واجهته نظرية داروين في التطور يقول أحد دعاتها وهو ستيفين جي كولد الأخصائي في علم المتحجرات في جامعة هارفرد ما يلي:
"إذا كانت ثلاثة أنواع شبيهة بالإنسان قد عاشت في الحقبة الزمنية نفسها, إذن ماذا حصل لشجرة أصل الإنسان ؟ الواضح أنه لا أحد من بينها يعد جداً للآخر, والأبعد من ذلك هو أنه عند إجراء مقارنة بين بعضها وبعض لم يتم التوصل من خلالها إلى أية علاقة تطورية فيما بينها.25
إن اختلاق قصة خيالية عن تطور الإنسان والتأكيد عليها إعلامياً وتعليمياً والترويج لنوع منقرض من الكائن الحي نصفه قرد ونصفه الآخر إنسان هو عمل لا يستند إلى أي دليل علمي. وقد أجرى اللورد سوللي زاخرمان البريطاني أبحاثه على متحجرات قرد الجنوب لمدة 15 سنة متواصلة ، وقد توصل إلى عدم وجود أية سلسلة متصلة بين الكائنات الشبيه بالقرد وبين الإنسان واعترف بهذه النتيجة على الرغم من كونه دارويني الاتجاه.
ولكنه من جهة أخرى قام بتأليف جدول خاص بالفروع العلمية التي يعترف بها وضمنه مواقع لأمور خارجة عن نطاق العلم, وحسب جدول زاخرمان تشمل الفروع العلمية التي تستند إلى أدلة مادية علوم الفيزياء والكيمياء وتليها علوم الأحياء فالعلوم الاجتماعية وأخيراً - أي في آخر الجدول - تأتي فروع المعرفة الخارجة عن نطاق العلم. ووضع في هذا الجزء من الجدول علم تبادل الخواطر والحاسة السادسة والشعور والتحسس، وأخيرا تطور الإنسان. ويضيف زاخرمان تعليقاً على هذه المادة الأخيرة في الجدول كما يلي:
"عند انتقالنا من العلوم الماديّة إلى الفروع التي تمت بصلة إلى علم الأحياء النائي أو الاستشعار عن بعد, وحتى استنباط تاريخ الإنسان بواسطة المتحجرات, نجد أن كل شيء جائز وممكن خصوصاً بالنسبة إلى المرء المؤمن بنظرية التطور, حتى إنه يضطر أن يتقبّل الفرضيات المتضادة أو المتضاربة في آن واحد"26
إذن: إنّ القصة الملفقة لتطور الإنسان تمثل إيماناً أعمى من قبل بعض الناس بالتأويلات غير المنطقية لأصل بعض المتحجرات المكتشفة.
عقيدة ماديّـة
لقد استعرضنا النظرية الخاصة بالتطور, ومدى تناقضها مع الأدلة والشواهد العلمية, ومدى تناقض فكرها المتعلق بأصل الحياة مع القواعد العلمية, واستعرضنا أيضاً انعدام التأثير التطوري لكافة آليات التطور التي تدعو إليها هذه النظرية, وانعدام وجود أية آثار لمتحجرات تثبت وجود أشكال انتقالية للحياة عبر التاريخ. لهذا السبب نتوصل إلى نتيجة مفادها ضرورة التخلي عن التشبث بالنظرية التي تعد متناقضة مع قواعد العلم والعقل, وهي لا بد أن تنتهي كما انتهت نظريات أخرى عبر التاريخ والتي ادعت بعضها أن الأرض مركز الكون. ولكن الغريب أن هناك إصراراً عجيباً على التشبث بهذه النظرية في واجهة الأحداث العلمية, وهناك بعضهم يتمادى في تزمته ويتهم أي نقد للنظرية بأنه هجوم على العلم والعلماء.
والسبب يكمن في تبني بعض الجهات لهذه النظرية واستخدامها كوسيلة للتلقين الفكري, وهذه الجهات تتبنى الفكر المادي عقيدة لها, بل هي متصلة بالفكر المادي اتصالاً أعمى وتعد الداروينية خير ملاذ فكري لها لترويج فكرها المادي البحت. وأحياناً تعترف هذه الجهات بالحقيقة السابقة, كما يقول ريتشرد ليونتن أحد أشهر الباحثين في علم الجينات والذي يعمل في جامعة هارفارد, وهو من المدافعين الشرسين عن نظرية التطور، ويعد نفسه رجل علم مادي: "نحن نؤمن بالمادية, ونؤمن بأشياء مسلم بها مسبقاً, وهذا الإيمان هو الذي يجعلنا نوجد تفسيرات مادية للظواهر الدنيوية وليس قواعد العلم ومبادئه. وإيماننا المطلق بالمادية هو سبب دعمنا اللامحدود لكل الأبحاث الجارية لإيجاد تفسيرات ماديًة لجميع الظواهر التي توجد في عالمنا, ولكون المادية صحيحة مسلم بها فلا يمكن أبداً أن نسمح للتفسيرات الإلهية أن تقفز إلى واجهة الأحداث" 27
إن هذه الكلمات تعكس حجم النزعة التلقينية التي تتسم بها الداروينية لمجرد كونها مترابطة ترابطاً فلسفياً بالنظرية المادية. ويرى غلاة هذه النظرية أن لا شيء فوق المادة, ولهذا السبب يؤمنون بأن المواد غير الحية هي سبب وجود المواد الحيّة, أي أنّ الملايين من الأنواع المختلفة كالطيور والأسماك والزرافات والنمور والحشرات والأشجار والزهور والحيتان وحتى الإنسان ليست إلا نتاجاً للتحول الداخلي الذي طرأ على المادة كالمطر المنهمر والرعد والصواعق.
والواقع أن هذا الاعتقاد يتعارض تماماً مع قواعد العقل والعلم, إلا أن الداروينيين ما زالوا يدافعون عن آرائهم خدمة لأهدافهم التي تلخصها الكلمات التالية: "لا يمكن أبداً أن نسمح للتفسيرات الإلهية بأن تقفز إلى واجهة الأحداث"28.
وكل إنسان ينظر إلى موضوع أصل الأحياء من وجهة نظر غير مادية لا بد له أن يرى الحقيقة الساطعة كالشمس, إن جميع الكائنات الحية قد وجدت بتأثير قوّة لا متناهية وعقل لا حد له, أي أنها خلقت من قبل خالق عليم قدير أحاط علمه بكل شيء ووسعت قدرته السماوات والأرض، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.
( قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا
إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيـمُ الحَكِيـمُ ) البقرة: 32
المراجــع
1- كليات رسائل النور، الكلمات، ص. 277.
2- كليات رسائل النور، الكلمات، ص. 126-127.
3- كليات رسائل النور، الكلمات، ص. 765.
4-كليات رسائل النور، قصة حياة، ص. 198.
5- كليات رسائل النور، اللمعات، ص. 10
6- كليات رسائل النور، المكتوبات، ص. 43- 44.
7- كليات رسائل النور، بديع الزمان يجيب، ص. 215- 216.
8- كليات رسائل النور، الشعاعات، ص. ص. 522.
9- كليات رسائل النور، الكلمات، ص. 834.
Imam Ahmad, vol. 1, no. 387; Imam Ibn Kathir, The Life of This World is Fleeting Enjoyment -10
Bediuzzaman Said Nursi, Risale-i Nur Collection, The Words, The Tenth Word, Twelfth Aspect -11
Sidney Fox, Klaus Dose, Molecular Evolution and The Origin of Life, W.H. Freeman and Company, San Francisco, 1972, p. 4. -12
Alexander I. Oparin, Origin of Life, Dover Publications, NewYork, 1936, 1953 (reprint), p. 196. -13
"New Evidence on Evolution of Early Atmosphere and Life", Bulletin of the American Meteorological Society, vol 63, November 1982, p. 1328-1330. -14
Stanley Miller, Molecular Evolution of Life: Current Status of the Prebiotic Synthesis of Small Molecules, 1986, p. 7. -15
Jeffrey Bada, Earth, February 1998, p. 40. -16
Leslie E. Orgel, "The Origin of Life on Earth", Scientific American, vol. 271, October 1994, p. 78. -17
Charles Darwin, The Origin of Species by Means of Natural Selection, The Modern Library, New York, p. 127. -18
Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard University Press, 1964, p. 184. -19
B. G. Ranganathan, Origins?, Pennsylvania: The Banner Of Truth Trust, 1988, p. 7. -20
Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard University Press, 1964, p. 179. -21
Derek A. Ager, "The Nature of the Fossil Record", Proceedings of the British Geological Association, vol 87, 1976, p. 133. -22
Douglas J. Futuyma, Science on Trial, Pantheon Books, New York, 1983. p. 197. -23
Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, Toplinger Publications, New York, 1970, pp. 75-14; Charles E. Oxnard, "The Place of Australopithecines in Human Evolution: Grounds for Doubt", Nature, vol 258, p. 389. -24
"Could science be brought to an end by scientists' belief that they have final answers or by society's reluctance to pay the bills?" Scientific American, December 1992, p. 20. -25
Alan Walker, Science, vol. 207, 7 March 1980, p. 1103; A. J. Kelso, Physical Antropology, 1st ed., J. B. Lipincott Co., New York, 1970, p. 221; M. D. Leakey, Olduvai Gorge, vol. 3, Cambridge University Press, Cambridge, 1971, p. 272. -26
Jeffrey Kluger, "Not So Extinct After All: The Primitive Homo Erectus May Have Survived Long Enough To Coexist With Modern Humans", Time, 23 December 1996. -27
. S. J. Gould, Natural History, vol. 85, 1976, p. 30. -28
Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, p. 19. -29
. Richard Lewontin, "The Demon-Haunted World," The New York Review of Books, January 9, 1997, p. 28. -30
Malcolm Muggeridge, The End of Christendom, Grand Rapids:Eerdmans, 1980, p. 43. -31
|