فلسطين

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (سورة الحجرات، 13)




المقدمة

منذ الحرب العالمية الأولى، أي منذ خروجها من الحكم العثماني، لم تنعم فلسطين في أي فترة من فتراتها بالسلام والطمأنينة. ونتيجة للإرهاب والمجازر والتقتيل الجماعي الذي مارسته إسرائيل منذ ما يقارب القرن؛ فإن آلاف الأبرياء فقدوا حياتهم والكثيرين تحولوا إلى معاقين، إضافة إلى أن ملايين الفلسطينيين الأبرياء، الذين لا ذنب لهم مطلقاً، نزحوا من بيوتهم وأوطانهم إلى مخيمات اللاجئين حيث أجبروا على العيش فيها في ظروف تسودها المجاعة والمهانة. وعلى الرغم من العنف والظلم الذي يستمر أمام أنظار العالم كله إلا أن جميع محاولات إيجاد الحل الدائم وتأسيس السلام الذي تحن إليه المنطقة باءت بالفشل.  أما مسيرات السلام المصطنعة التي رعتها الدول الغربية، فقد أثبت الزمن أنها لا تنفع سوى إكساب إسرائيل مزيداً من الوقت للقيام بمزيد من المجازر.
قبل كل شئ، علينا أن نبين أن الأحداث التي نعايشها في فلسطين تحمل معان أكثر بكثير من أن تكون حرباً عربية- إسرائيلية، ففلسطين تشهد كفاح شعب مسلم اغتصبت قوات الاحتلال الإسرائيلية أراضيه وحقوقه جوراًً، وهو يكافح في حرب وجود. ثم إن الأراضي التي يجري فيها هذا الصراع تحتوي على أماكن مقدسة بالنسبة إلى الإسلام. ومدينة القدس- التي تعتبر أولى القبلتين ومعراج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- تزيد من أهمية فلسطين بالنسبة إلى المسلمين. كما أن فلسطين ليست مهمة لليهود والمسلمين فقط، بل والنصارى أيضاً. لذا فبسط السيطرة على القدس من قبل أصحاب دين واحد فقط والاعتراف بوجود دين واحد فيها دون غيره خطأ شنيع. وعلى فلسطين أن تكون أرضاً يعيش فيها أصحاب الأديان السماوية الثلاث معاً في اطمئنان وهدوء يمكنهم من القيام بعباداتهم كما يشاءون.
في أيامنا هذه، تشهد فلسطين صراعاً مريراً بين الشعبين الموجودين فيها، فمن جهة، يقوم الجيش الإسرائيلي المجهز تجهيزاً كاملاً بإجراء عملية إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، ومن الجهة الأخرى، تقوم الجماعات الفلسطينية المتطرفة بعمليات انتحارية موجهة ضد المدنيين الإسرائيليين. وسوف نبحث في الفصول القادمة من الكتاب مدى خطأ محاولة حل المشاكل الموجودة بالعنف، كما وسنعرض كيف يمكن تحقيق الحل المنشود.
مع هذا، علينا أن نضع حقيقة هامة في الاعتبار، وهو أن الشعب الفلسطيني المسلم يتعرض للسحق والظلم أمام أعين العالم كله. ففي الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني الأعزل كل يوم لرصاص الجيش الإسرائيلي المجهز تجهيزاً كاملاً، وبينما يتعرض المسلمون– بما فيهم النساء- لأنواع عديدة من التعذيب في السجون الإسرائيلية، يقع على عاتق كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر القيام بالكثير من الواجبات الضخمة. وأهم هذه الواجبات هو مكافحة اللادينية كفاحاً فكرياً شرسا، لأن اللادينية تشكل أساس جميع أنواع الظلم والقمع التي نعيشها على وجه الأرض.

لا تنسوا وأنتم تقرأون هذه السطور أن كفاح آلاف الناس المستضعفين في فلسطين في سبيل عدم التخلي عن ترابهم مستمر بكل شدة، وقد تكون القوات الإسرائيلية المحتلة تقصف المدن أو مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، أو أن الأطفال يتوجهون إلى مدارسهم تحت وابل الرصاص المنهمر عليهم من الطائرات المروحية، أما العائلات التي أخرجت من بيوتها وأراضيها جبراً قبل خمسين عاماً فهي تحاول مواصلة حياتها في المخيمات في ظل الكثير من المصاعب، و الظلم والضغط يمارسان على الفلسطينيين في غزة، وفي الضفة الغربية وفي كل مكان من القدس الشرقية فقط لأنهم " مسلمون".
ولهذا السبب، فعلى كل إنسان يحمل في داخله وجداناً حياً أن يضع هذا الوضع  نصب عينيه. وبلا شك، فإن مسؤولية التصرف وكأن شيئاً لم يحدث ستكون كبيرة بعد قراءة أخبار الظلم والوحشية في الصحف ومشاهدتها في أجهزة التلفزيون يومياً. والقرآن الكريم يذكر كل إنسان مؤمن يستمع لصوت الوجدان بهذه المسؤولية ويبين أن عليه أن يكافح من أجل المستضعفين:
َمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (سورة النساء، 75)
ويبين القرآن الكريم مسؤولية من يدركون هذا الأمر ويسعون لمساعدة المظلومين بالآية الكريمة التالية: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (سورة آل عمران، 104)
وهذه المسؤولية هي، دعوة العالم كله إلى الإيمان بالله وتذوق لذة والإحساس بعظمة أخلاق الدين وشن كفاح فكري ضد العقائد التي تعادي الدين وتقف في وجه أخلاقيات القرآن.